كلمة الدكتور أسامة الأزهرى فى مولد الإمامين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، اصطفى من عباده صفوة فاصطفاهم وصافاهم، وقربهم وأدناهم، جعلهم عيون الخليقة، وورثة الحقيقة، اصطفاهم الله  – تعالى – لمعرفته، واختارهم لمحبته، وجذب قلوب عباده إليهم، وأجرى على قلوبهم وألسنتهم ينابيع الحكمة، ومعادن الرحمة، أيدهم الله – تعالى – بالفهوم العلوية واللطائف النبوية المحمدية، شيَّد الله – تعالى – بهم أركان الدين، وسدَّد الله بهم بناء اليقين، وجعلهم الله ورثة النبوة، وأهل الحكمة والمعرفة والصلاح والفتوة، فرضى الله عنهم وأرضاهم وحياهم الله وبيَّاهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه ووتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

فإن الأزهر الشريف ما كان أبداً جدراناً وأبنية، وما كان الأزهر الشريف أبداً منارات ومآذن، وما كان الأزهر الشريف أبداً أروقة وطلاباً وأشياخاً، وما كان الأزهر الشريف حلق علم ولا مجالس فهم؛ إنما كان الأزهر الشريف فى الحقيقة رجالاً ورثوا ينابيع الحكمة، ونهضوا بأعباء الدين، وتحققوا بمعنى اليقين، وفاضت قلوبهم بأنوار الدين والهدى، ما كان الأزهر الشريف جدراناً، ولا حجرات، ولا أروقة، ولا أبينة،  إنما كان فى الحقيقة ورثة نبوة، وأئمة هدى وأصحاب يقين، إنما كان رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.

الأزهر الشريف علومٌ وأنوارٌ ومعرفةٌ وربانيةٌ وصلاحٌ وهدىٌ ورحمةٌ مبسوطةٌ بين الخلائق، الأزهر الشريف لم يزل رجالاً من وراء رجال، وأئمة من بعد أئمة إلى أن صبت ينابيع أنوارهم وتجسدت فى إمام الهدى وشيخ الطريقة وعلم الأزهر ورائد المنبر الإمام الجليل الحجة الأزهرى سيدى الشيخ صالج الجعفرى – رضى الله تعالى عنه وأرضاه -، كان الإمام الجليل ولى الله – تعالى – على التحقيق،  إمام علم،  وارث نبوة،  موصولاً بالغيب الشريف،  صاحب توجه وربانية وسجود وخلوة وتربية وتوجيه،  كان رضى الله تعالى عنه سلالة الأكابر وذرية الصالحين، ورث مقام الجليل سيدى أحمد بن إدريس وتحقق بمعارفه، وانطوى فى أنواره فنهض بأعباء العلم فى الأزهر الشريف عقوداً من وراء عقود، ولله در رواق المغاربة إذ شهد من سيدنا الشيخ صالح الجعفرى – رضوان الله عليه – سنوات طوالاً، وهو يشهد خلوته فى جوف الليل،  فلله تلك الساعات المنورات التى كان ينازل فيها قلبه الشريف من حضرة القدس كئوس هدى تفيض على فؤاده نجوى وتبتلا وضراعة، ولقد استحضرت شيخ الإسلام الإمام الجليل تقى الدين السبكى – رحمه الله – إذ كان يخرج فى جوف الليل إلى صحن دار الحديث الأشرفية يتلمس البقعة التى كان يجلس فيها الإمام النووى، وقد أنشد فى ذلك بيتين:

وفى دارِ الحديث لطيفُ معنى

على بُسُطٍ لها أصبوا وآوى

لَعَلِّى أنْ أَمَسَّ بِحُرِّ وَجهى

تُراباً مَسَّهُ نَعْلُ النَّوَاوى

فلما أن عكف سيدنا الشيخ صالح الجعفرى فى رواق المغاربة سنين، وأقام فيه لا يفارقه،  منه ينطلق وإليه يعود، تمثلت صنيع شيخ الإسلام التقى السبكى، فتعلق القلب برواق المغاربة لما صب من حضرة القدس فى ساعات خلوة الإمام الجفعرى وتبتله، فأنشدت فى رواق المغاربة كما أنشد الإمام السبكى فى دار الحديث الأشرفية، فأنشدت قائلاً:

وفى ذاك الرواق لطيف معنى

 يجاذبنى بِطِيبٍ عَنْبَرِىِّ

لَعَلِّى أنْ أَمَسَّ بِحُرِّ وَجْهِى

تُرَاباً مِنْ نِعَالِ الْجَعْفَرِىِّ

نعم

سيدى الشيخ صالح الجعفرى – رضى الله عنه – هو الأزهر على الحقيقة، هو معدن الازهر وحقيقته ، هو الأزهر كما ورثه أئمة الهدى جيلاً من وراء جيل، يذكر مشايخنا أنهم حضروا مرة مجلساً لسيدنا الشيخ صالح الجعفرى فدخل رجل فسأل الشيخ عن مسألة من مسائل الفقه فأجابه سيدنا الشيخ فى مسألة وأفتاه ، فلما انصرف السائل مسح سيدنا الشيخ بيده على جبهته،  ثم قال لمن حوله:  الحمد لله أن حفظ علينا العلم منذ أربعين سنة ما سألنى أحد فى هذه المسألة.

كان سيدنا -رضى الله عنه – واجهة أزهرية ورثت علوم الأزهر الشريف وحاله ومقاله وربانيته وصدقه وأنواره،  كم مر على الأزهر الشريف من إمام هدى ومن وراث نبوة،  وكم سجد فى رحاب الجامع الأزهر الشريف من بحر علم وولى مقرب، كم ضجت أركان الجامع الأزهر بورثة النبوة من الركع السجود فى رحابه وفى ساحاته وفى أروقته، حتى كأن جدران الأزهر الشريف قد عجنت بماء المحبة ولقد تشرف وصغت قصيدة على لسان الجامع الأزهر كأنه الجامع الأزهر لاشريف قد نطق بلسان صفيح وتحدث عن ائمة الهدى لاذين نزلوا فى رحابه فاسمعوا ماذا قال الأزهر الشريف:

يقول الأزهر:

عبر القرون وطيلة الازمان

عين العناية والهدى ترعانى

وعلى مدى الأعصار يعلو فى الورى

بعناية المولى العظيم مكانى

وبفضل ربى لاح فضلى فى الورى

فالعلم رمزى والهدى عنوانى

انا فى علوم الشرع نجم مزهر

سطعت بشائره على الأزمان

أنا شمس تحقيق المعارف والهدى

ربى تعالى للورى أهدانى

ما فى من مقدار موضع ذرة

إلا ارتوت بمحبة الرحمن

ألفاً من الاعوام والقرآن فى صحنى يرتل

فاستنار جنانى

ولكم شرف بأن تلو فى ساحتى سنن الشفيع فأورقت أفنانى

ولكم شهدت الساجدين لربهم فى ساحتى من كل ذى وجدان

حتى كأن منابرى ومنائرى بنيت بأهل الفضل والإحسان

على هذا مضى سيدنا الإمام العلم العلامة الفقيه الولى الصالح سيدى الشيخ صالح – رضى الله تعالى عنه – ولقد كان – رضى الله عنه – فى زمان شهد كوكبة من أئمة الهدى من علماء الأزهر، فعن ميمنته كان رائد العشيرة المحمدية سيدى الشيخ محمد زكى الدين إبراهيم الولى الصالح،  وفى زمانه كان الإمام الأكبر شيخ الإسلام سيدى الشيخ عبد الحليم محمود الولى الصالح، وفى زمانه كان عمدة المفسرين سيدى الشعراوى الولى الصالح، هؤلاء رجال الأزهر الشريف على الحقيقة وهذه علوم الأزهر ولقد قال الحافظ السيوطى رحمه الله فى كتاب تأييد الحقيقة العلية: إن من فروض الكفاية على الأمة أن تستبقى رجالاً إذا دعوا استجيب لدعوتهم حتى يبقى الناس على اتصال بالغيب يشهدون القرب حتى تبقى بين  الناس عيون فى الخليقة إذا ضاقت الأمور بالخلق وأنزلوا بأؤلئك الأئمة حوائجهم وتوجهوا إلى الله تعالى فيها قضيت.

يا عباد الله

فى هذا اليوم وفى هذه الليلة الغراء وفى هذا المجمع الكريم احتفاءا ووفاء وانتماءا لسيدنا الشيخ صالج الجعفرى أحب أن أخبركم أنه هكذا كان الأزهر الشريف، وهكذا يبقى ولا يزال الأزهر على مثل ما كان عليه مثل سيدنا الشيخ إلى أن يرث االله الأرض ومن عليها.

ولا يزال يتردد فى خواطرنا قول الشاعر:

وهم فاخرونى بالذى عزَّ عندهم

من العرض الفانى وذو الجهل يمترى

فقلت لهم فخرى بأنى مسلم ..  وأنى صوفىٌ وأنى أزهرى

هكذا ورثنا أئمة الهدى أمانة الدين، وهكذا تسلسلت إمام هدى من وراء إمام هدى، وهكذا تبقى إلى يوم الدين إن شاء الله ، ولقد مضى سيدى الشيخ صالح الجعفرى، ثم مضى من بعده ولده سيدى الشيخ عبد الغنى – رضى الله عنه – فرحمة الله تعالى وبركاته وونفحاته ورضوانه على الشيخين الجليلين كوكبى الهدى وشمسى الندى، رحمات الله ونفحاته وبركاته على تلك الذوات الطاهرة، وعلى تلك الشخوص المنورة، رحمهم الله بواسع رحمته، وألحقنا الله بهم على الهدى، ورزقنا الله كمال المحبة لهم وكمال الاقتفاء لأثرهم، وألحقنا الله تعالى وإياكم بهم مع كمال العافية،  وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

من كتاب : أسرار الصيام (2)

في الصوم فوائد للروح والجسد

فعلماء الفقه أدركوا أن الصوم يدعو إلى العطف على الفقراء والمساكين وذلك العطف يدعو إلى القيام بواجب شرعي وركن من أركان الإسلام وهو الزكاة قال تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) (البقرة: من الآية110). وإلى ردع النفس عن الشهوات والفواحش ما ظهر منها وما بطن قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (لأعراف: من الآية 33). وإلى التعاون وبذل المعروف قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: من الآية 2). وإلى النشاط في الأعمال الصالحة والمسارعة إليها والجد في تحصيلها فقد ذم اله تعالى المنافقين لكسلهم بقوله تعالى: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) (النساء: من الآية142) وغي ذلك مما يتعلق بعلم الفقه.

وعلماء التصوف أدركوا أن في الصوم أعظم وسيلة لتصفية الروح وترقيتها وإطلاقها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح وبه تذكر ما كانت عليه في الزمان الأول من مجد وعز وعلم ورزق واطمئنان (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112). سمعت من شيخي الأستاذ الشيخ «محمد بخيت المطيعي» عليه الرحمة والرضوان يقول في تفسير هذه الآية: قيل إنها [أي القرية المذكورة في الآية] هي الروح انتهى.

وقد ذكروا أن الأبدال يتصفون بأربع أشياء: الجوع والصمت والسهر والاعتزال. فالصمت يتسبب من الجوع وكذلك السهر وبقي الاعتزال ثمرتها، لأنه ينشأ عن أنوار الذكر الجالبة للأنس بالله والوحشة عن سواه كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: «… واستأنست بالوحش إذا كانت من الإنس وحشتي».

فكان الجوع لهذه الثلاثة أصلاً وهو حاصل بالصوم.

وأيضًا ذكروا أن دواء القلب عند قسوته خمسة أشياء: (الأول) إخلاء البطن (الثاني) قراءة القرآن (الثالث) القيام في الأسحار بالتضرع والبكاء (الرابع) التهجد بالليل (الخامس) مصاحبة أهل الخير والصلاح، فالأربعة التي بعد إخلاء البطن لا تتم إلا به فهو أيضًا أصل لها وإخلاء البطن حاصل بالصوم فمنزلة الأبدال وجلاء قسوة القلب يدركان بخلاء البطن وهو حاصل بالصوم كما علم فما أعظم فوائد هذا الصوم. وما أكر بركاته على النوع الإنساني ففيه (فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين: من الآية26).

وعلماء الطب قالوا إنه لابد للمعدة من أن تستريح مدة وقد حققوا أن أقل هذه المدة هي شهر من كل سنة ومن زاد على الشهر كان ذلك من قبيل زيادة الخير، ومن لم يصم تأتي عليه أزمنة تضطره إلى ترك الأكل والشرب حتى تأخذ المعدة واجبها.

من كتاب ( أسرار الصيام ) (1) لسيدى الشيخ صالح الجعفرى

Seam

وصلى الله على سيدنا محمد الحافظ بنور جلاله صحيح مقاله وعلى آله وسلم. لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.

قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183).

يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه: أتكلم على هذه الآية الشريفة بما يفتح الله به عليَّ.

اشتملت هذه الآية الشريفة على سبعة مباحث:

(الأول) نداء الله تعالى لعبيده المشعر بزيادة اعتنائه بهم وتكريمه لهم.

(الثاني) وصفهم بالإيمان الذي هو أعظم نعمة تستلزم امتثال الأمر الآتي.

(الثالث) وصفهم بالعبودية التي يتضمنها الإيمان؛ لأن المؤمن هو الذي يعتقد بقلبه أن الله تعالى إلهه وخالقه وأنه هو عبد الله لا حول ولا قوة له إلا بالله العلي العظيم.

(الرابع) ذكر الفرض الواجب.

(الخامس) ذكر الصيام.

(السادس) ذكر تعلق الصوم بالذين من قبلنا.

(السابع) ذكر التقوى.

 

الأول: من المباحث السبعة للآية الكريمة نداء الله تعالى لعبيده

فالنداء يتضمن سبعة أشياء:

(الأول) علم المخاطب بحال مخاطَبِه.

(الثاني) طب الإقبال من المخاطب.

(الثالث) طلب إصغائه.

(الرابع) طلب امتثاله.

(الخامس) طلب الأدب من المخاطَب لعلمه بمخاطِبه.

(السادس) طلب العلم من المخاطَب بمخاطِبه.

(السابع) تطهير باطنه وظاهره.

(الأول) علم المخاطَب بحال مخاطَبِه فهو عبارة عن أن يعتقد الإنسان المخاطب أن الله تعالى عليم به إذ خلقه من العدم خبير بمصلحته حيث ركبه من أجزاء مختلفة، وجعل له أمعاء باطنة وأشباحًا ظاهرة، وجعل الظاهر يمتد قواه من الباطن، فلذلك إذا أمره بأمر أو نهاه عن شيء فليعلم أن ذلك لحكمة تدرك للعقل السليم وإن لم يظهرها الشارع (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14)، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً) (المؤمنون: من الآية 115)، فبعد أن تبين لك أنه يعلم جميع خلقه وما هم عليه وما يليق بهم تدرك أنه لم يختلف شيئًا عبثًا بل كل مخلوقاته لحكمة، وكل أفعاله لحكمة، وكل أوامره ونواهيه لحكمة، وقد أمرنا الله تعالى بالصوم وبين لنا حكمته بقوله: (لعلكم تتقون) وقد أدركت أيضًا حكمة الصوم جميع العلماء والأطباء وغيرهم.

من الخُطب المنبرية لسيدى الشيخ عبد الغنى صالح الجعفرى

 رمضان شهر القرآن
Men_wa7e_almenbar

الحمد لله نزل القرآن مائدة للمسلمين في الأرض، ونوره يهدي إلى الرشد، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وأشهد ألا إله إلا الله القائل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9).
وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله العابد القانت القارئ كتاب الله الذي قام الليل إلى أن اشتكت قدماه الضر من ورم، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الذين تجافت جنوبهم عن المضاجع وهم يتلون القرآن، رهبان الليل وفرسان النهار، فقد كانوا هم الزاهدونا العابدونا
إذ لمولاهـم أجاعوا البطــونا
أسهروا الأعين العليــة حـبا
فانقضى ليلهم وهـم ساهـرونا
شغــلتهم عبـادة الله حــتى
حسب الناس أن فيهـم جنــونا
رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه.
يا جماعة المسـلمين :
إننا في شهر رمضان، وإن كان لرمضان أن يفخر فليفخر بأنه شهر القرآن، بدليل قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر: 1-5).
لما كان هذا الشهر شهر القرآن كانت أيامه أيام القرآن؛ فالقرآن له وهو صاحبه، وهو رينه، تدور الأيام والأعوام ونقف اليوم لنحسب الحساب ونعدد الأعداد لنعلم شيئًا جليلاً جديرًا بالاهتمام والتقـدير.
قفي يا ساعة الزمن لحظة، وقفي أيتها الشمس المتحركة لحظة، وتنبه أيها الإنسان من غفلتك لتسمع، ولتسمع الدنيا بأسرها:
إن الأمة الإسلامية احتفلت بمرور:
14 قرن على نـزول القـرآن.
1400 سنة مرت على نزول القرآن.
16800 شهر مرّ على نزول القرآن.
504000 يوم مرّ على نزول القرآن.
والقرآن هو القرآن؛ لا تغير ولا تحريف، ولا تبديل ولا تصحيف، ولا زيادة ولا نقصان، وصدق الله العظيم إذ يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9).
وجل من قائل: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:42).
احتفل العالم الإسلام أمس بمرور ربعة عشر قرنًا على نزول القرآن الكريم وهو غض طري لم ينل منه الزمن، ولا يؤثر فيه الدهر لأنه لا يخلق على كثرة الرد.
احتفل العالم الإسلامي أمس؛ وإنها لذكرى طيبة وما أطيبها في رمضان شهر القرآن، ولنقف لحظات لنتدارس جميعًا تبسيط دراسات حول القرآن:
نـــزوله :
أولاً : أول نزول القرآن الكريم هو تجلي الحق- تبارك وتعالى- به على اللوح المحفوظ؛ لينقش فيه ما أراد الله- تعالى- وهو الذكر.
قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء:105).
ثم بقاؤه في اللوح المحفوظ. قال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (البروج: 21، 22).
ثانيًا : نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا على أيدي الملائكة الكرام. قال تعالى: (فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس: 13-16).
ثالثًا : نزوله من بيت العزة منجمًا ومقسمًا ومفرقًا على يد جبريل أمين الوحي- عليه السلام- على قلب رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-
(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: 192-195).
وقد اختار الله تعالى لكلامه المكان والزمان والإنسان، أما المكان قد ابتدأ نزوله في مكة المكرمة: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) (الشورى: من الآية7).
وأما الزمان فهو شهر رمضان المعظم: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: من الآية185).
وأما الإنسان فهو المصطفى- صلى الله عليه وآله وسلم-: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: 193-195).
وقد كان القرآن الكريم كتاب هداية، ونبراس عناية، إنه دستور الأمة، ومعجزتها الخالدة التي تبقى على مرّ العصور والدهور.
وقد أمر الله- تعالى- بتلاوته، وجعلها دليلاً على كمال الإيمان: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) (البقرة: من الآية121).
وأمر بتدبر آياته: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) (صّ:29).
وأمر سبحانه بحسن الاستماع والإصغاء إليه، وجعل ذلك سببًا في نزول الرحمات: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف: 204).
وقد أخرج البخاري في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «اقرأ علىّ القرآن، قال: قلت أقرأ عليك القرآن وعليك أُنزل؟ قال: نعم أحب أن أسمعه من غيري. قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) (النساء:41).
قال- صلى الله عليه وآله وسلم- «حسبك».
فنظرت. فإذا عيناه تذرفان بالدموع» [رواه البخاري وغيره عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-].
وقد توعد الله من لم يقرأ القرآن بشكوى رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- منه يوم القيامة، حين قصّ- سبحانه- مشهدًا من مشاهدها في قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) (الفرقان:30).
أما السعداء فإنهم لا يتركونه لحظة فهم أهله وهو أهلهم؛ بل هم أهل الله تشريفًا وتعظيمًا بسبب القرآن وبركته، قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «إن لله أهلين من الناس. قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» والقرآن روح الدين، وسر اليقين:
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى:52).
لهذا. لو نزل هذا القرآن على الجبال لخشعت لأمر الله- تعالى- فأين قلوب القساة من هذا.
(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر:21).
وبعد كل فالقرآن حجة الله- تعالى- لخلقه أو عليهم. قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «القرآن حجة لك أو عليك». فلابد من العمل به وتحكيمه في كل شيء:
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: من الآية44).
(فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: من الآية45).
(فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة: من الآية47).
يقول- صلى الله عليه وآله وسلم-: «التائب حبيب الرحمن، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له».

الخطبة الثانية
أيها المسـلمون :
في ذكرى الاحتفال بمرور أربعة عشر قرنًا على نزول القرآن يطيب لنا أن نقول:
الله أكبر إن ديـــن محمـد وكتابه أقوى وأقوم قيــلا
لا تذكروا الكتب السوالف عنه طلع النهار فأطفئوا القنـديلا
يقول نبينا- صلى الله عليه وآله وسلم-: «إن هذا القرآن مأدبة الله فأقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد، أتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات؛ أما إني لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» [رواه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه].
وفي الحديث: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» [رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنه].
أيها المسلمون :
ألا ما ألصق القرآن برمضان، وما أقوى الصلة بينهما كلاهما عبادة عالية، وقربة راقية، ألا وإن لكل واحد منهما شفاعة مقبولة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: رب منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: يا رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال: فيشفان» [رواه الإمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنـه].
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وذهاب همنا وغمنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا يا رب العالمين.
اللهم عافنا واعف عنا.

التسابق في الحب والعشق الإلهي بين سيدي الشيخ صالح الجعفري وسيدي عمر بن الفارض رضي الله تعالى عنهما

بقلم سيدى محمد صالح الجعفرى 

شيخ عموم الطريقة الجعفرية الأحمدية المحمدية

أسيدى محمدهل الحب لهم في حبهم جواهر المعاني، ودرر البيان، وعبارات تعبر عن حبهم وشوقهم وحالهم ما بين ناظم وناثر.

أتناول في هذه المقالة نبذة يسيرة عن بعض ما قاله لسان المحب في الذات الإلهية وفي صاحب الأنوار المحمدية سيدي الشيخ صالح الجعفري، وسيدي عمر بن الفارض مع تفاوت الزمن والعصر والأحوال والمناخ.

سيدي الشيخ صالح الجعفري في القرن (14 هجري) (19 ميلادي).

وسيدي عمر بن الفارض وُلد سنة 576هـ وتوفي سنة 632هـ.

أي أن الفترة الزمنية بين الشيخين أكثر من سبعة قرون ومع ذلك كانت هناك علاقة روحية عظيمة بينهما لأن الأرواح كما قال عنها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» قال سيدي عبد الغني الجعفري في شرح هذا الحديث: الأرواح المتحابة في عالم الأزل تسوق أجسادها إلى مواطن أهل البيت وجاءت في هذه الدنيا فتجمعت على محبة أهل البيت إذن فالعلاقة قديمة من: «ألست بربكم»، لما خلق الله الأرواح وقال لها: ألست بربكم؟ فاهتزت الأرواح وقالت: بلى

فمن هذه اللحظة الأرواح المتحابة أجمعت على الحب في الدنيا فتعارفت وتحابت، والأرواح المتنافرة جاءت وتنافرت في هذه الدنيا.

وكان سيدي الشيخ صالح الجعفري- رضي الله تعالى عنه- يذكر كثيرًا سيدي عمر بن الفارض في دروسه ويذكر شعره، وكان يزوره كثيرًا بالمقطم وكانت هناك لقاءات روحية.

وفي أحد الدروس بالأزهر الشريف قال له أحد التلاميذ: يا سيدنا الشيخ صالح أنا شفت سيدنا النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في المنام وقال لي: اسأله عن سبب حبه لابن الفارض.

فسكت الشيخ صالح الجعفري قليلاً ثم قال: قوله علشان بيحبك يا سيدنا النبي.

كان سيدي الشيخ صالح الجعفري يزور سيدي عمر بن الفارض كثيرًا وكان على علاقة وثيقة به.

 وحكى لنا أحد الإخوان أن سيدي الشيخ صالح الجعفري قال: رأيت في الرؤيا سيدي عمر بن الفارض يمدح القصيدة الرائية التي مطلعها (زدني بفرط الحب فيك تحيرا) قال: رأيته يمدح بلحن شامي وسنه صغير فتعجبت لذلك فقال: أهل العشق هكذا

فلما استيقظت شطرت قصيدته.

فقال سيدي الشيخ صالح الجعفري:

يا رب صلِّ على النبي محمد
[زدني بفرط الحب فيك تحيرا]
وأدم فؤادي بالشهود منورًا

 

 

الطاهر بن الطاهر بن الطاهرة
وافتح فؤادي بالعلوم ليعمرا
[وارحم حشا بلفظى هواك تسعر]

 

ثم قال رضي الله تعالى عنه في البيت التالي وحل إشكالاً

قال سيدي ابن الفارض:

وإذا سألتك أن أراك حقيقة        فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

حل الإشكال سيدي الشيخ صالح الجعفري فقال:

وإذا سألتك أن أراك حقيقة
أو قلت أشهدني النبي كرامة

 

 

في جنة الفردوس في دار القرى
فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

 

على أن رؤية الله تبارك وتعالى تكون في الدار الآخرة وجواز رؤية النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لقوله: «من رآني فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي».

وقال فيما أخرجه البخاري: «من رآني في النوم فسيراني في اليقظة».

وجه الشبه بين سيدي الشيخ صالح الجعفري وسيدي عمر بن الفارض :

1- اشتركا في المحبة الإلهية وفي الزهد والورع.

2- اشتركا في محبة النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وأهل بيته الكرام فترجما عن هذه المحبة في قصائدهما

فنرى سيدي الشيخ صالح ألَّف اثني عشر ديوانًا في مدح الذات العلية والحضرة النبوية وأهل البيت الأطهار في أبيات شعرية وهي فيوضات ربانية قريبة العهد من رب البرية عن طريق الإلهام، والزيارة الروحية للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فيحصل له حال فيترجم عن هذه الحال بقلم المحبة كذلك عند زيارة أهل البيت الأطهار.

فكان يقول- رضي الله تعالى عنه-:

فبالأرواح زوروا إن أردتم         زيارتهم وكونوا معتنينا

والمديح هو الباب الواسع الذي دخل فيه شيخنا عليه رضوان الله تعالى، فكان دائمًا يوصي أبناءه فيقول لهم: «أيها الأخ المحب لرسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ألا أدلك على أقرب الطرق الموصلة إليه صلى الله عليه وآله وسلم من غير تعب ولا مشقة ألا وهو مدائحه سماعًا وإنشادًا بقلب سليم وحب عظيم».

3-قال سيدي الشيخ عبد الغني الجعفري حفظه الله:

 سيدي عمر بن الفارض مدفون على جبل المقطم. لماذا؟

لأنه مدح النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أعلى قدر النبي فأعلى الله قدره.

– سيدي الشيخ صالح الجعفري على جبل الدراسة الأشم. لماذا؟

لأنه مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمنطقة التي بها مقامه العامر كانت تسمى بحديقة الخالدين لوجود تماثيل للفنانين بها، وبعد ذلك نُقلت التماثيل إلى المتحف المصري وبقيت المنطقة للخالدين الحقيقيين [لسيدي الشيخ صالح الجعفري] ليُمدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته في جميع المناسبات.

حوار مع شيخ الطريقة الجعفرية الأحمدية المحمدية

1--
س : ما المفهوم الذي ترضونه لكلمة تصوف ؟

ج : لقد تعددت التعريفات لكلمة التصوف وجعل العلماء لها مشتقات ومدلولات، والكتب التي تصدر للحديث عن الصوفية فيها الكثير من هذه الدلالات والتعريفات.

والتصوف في مذهبنا هو الصفاء العقلي والقلبي والنفسي لمعرفة حقيقة الشريعة الإلهية والسنة المحمدية معرفة تؤهل صاحبها لتحقيق معنى «ليعبدون» قولاً وفعلاً وحالاً، وتجعله يظهر بمظهر الإحسان في كل وقت وحين، وجماع ذلك معرفة الشريعة التي تؤهل للوصول إلى الحقيقة تأهيلاً لما خلقنا من أجله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).))سورة الذاريات: 56))

نخلص من ذلك إلى أن التصوف هو السمو الروحي، والصفاء النفسي، والتذوق الوجداني لمعانى الأخلاق (وإنك لعلى خلق عظيم)((سورة القلم: 4)) وما الدين إلا الأخلاق تأدبًا مع الله بحق الله، وتأدبًا مع رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- في رسالة الله،وتأدبًا مع خلق الله بما أمر الله.

وأن أساس مذهبنا الصوفي إنارة العقول بما يصلح القلوب ويزكي النفوس (قد أفلح من تزكى) ((سورة الأعلى: 14)) (قد أفلح من زكاها) ((سورة الشمس:9)) ودليلنا إلى ذلك الكتاب والسنة، وسماحة الإسلام في الرفق ممارسة ولين جانب ويسرًا وسعة أفق وبُعد نظر لتحقيق الحقيقة الحقة المأخوذة من الشريعة السمحة.

        وتصوفنا في حركة الحياة أن لا يرانا الله حيث نهانا، ولا يفقدنا حيث أمرنا، فكل ما يصدر عنا نزنه بميزان الخضوع والإذعان شريعة والإخلاص والإحسان حقيقة.

س : لقد اتخذت من آية (وألّوِ استقاموا على الطريقة..) ((سورة الجن16)) شعارًا لمجلتكم.. فعلام يدل هذا ؟

ج : نعم. هذا شعار مجلة الطريقة والتي أصدرناها لتكون منبرًا للشباب يعبرون من خلالها عن طموحاتهم وأفكارهم، وهي جبهة دفاع عن التصوف الإسلامي الحق، تشارك مجلة التصوف الإسلامي التي تصدرها المشيخة العامة.

        فطريقنا هو الصراط المستقيم استقامة على شريعة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وطريقتنا تمثلت فيها أصول الدين وأحكامه علمًا، فكان منهاجها القرآن والسنة، وتجلت فيها روحانية التصوف تربية فكانت مظهرًا للحقيقة الصوفية الصادقة تطبيقًا لقول رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم «أدبني ربي فأحسن تأديبي»،فعدنا بالتصوف للموروث عن السلف الصالح ؛ وشعارها الاستقامة التي هي دليل الاستجابة لنداء الله تعالى (واستقم كما أُمرت ولا تتبع أهواءهم) ((سورة الشورى:15))والاستقامة مطلب أساسي في منهجنا الإسلامي إذ ندعوا الله تعالى كل يوم خمس مرات في كل ركعة من ركعات الصلاة (اهدنا الصراط المستقيم)((سورة الفاتحة:6))0

والطريق المستقيم هو طريق الذين أنعم الله تعالى عليهم بنعمة التوحيد، وعندما نطلب الهداية من الله للصراط المستقيم يترتب على هذه الهداية: الانتصار على النفس والشيطان وقرناء السوء.

فطريقنا هو الصراط المستقيم وما عليه الكتاب والسنة، وليس للبدعة علينا من سلطان أو هوى.

إن الإقتداء برسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أعلى درجات الأدب وأوسع أبواب الأخلاق، وكيف لا وقد سُئلت السيدة عائشة- رضي الله عنها- عن خُلُقه- صلى الله عليه وآله وسلم- فقالت: كان خُلُقه القرآن، وهو المأمور من ربه في قوله: (خذ العفو وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين) ((سورة الأعراف:199)) (ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك) ((سورة آل عمران:159))

س: يتوهم بعض الناس أن هناك علاقة بين الجعفرية كطريقة والجعفرية كمذهب شيعي فما وجه الحقيقة؟

ج: الطريقة الجعفرية: جعفرية نسبًا لا مذهبًا، وشيخنا الشيخ صالح الجعفري الحسيني لا ينتمي للمذهب الشيعي، وهذا خلط ربما جاء وهماً عن طريق الاسم، فشيخنا إمام الجامع الأزهر، وعالم من علمائه، انتسابه (الجعفري) نسبة إلى جده في النسب سيدنا جعفر الصادق- رضي الله عنه- وليس إلى فرقة الجعفرية الشيعية كما يتوهم البعض، لأن مذهبه- رضي الله تعالى عنه- مالكي، وعقيدته أشعرية. وهي عقيدة أهل السنة والجماعة كسائر علماء الأزهر الشريف، وقال في أرجوزته:

ومالك إمامنا في المذهـب            وعقدنا كالأشعري الطـيب    ((ديوان الجعفرى:12))

س : ما هي مسوغات قيام الطريقة الجعفرية، وما مدى ارتباط الطريقة الجعفرية بالطرق الأخرى؟

ج: الطريقة الجعفرية الأحمدية المحمدية: طريقة صوفية لها شخصيتها الاعتبارية واستقلاليتها الذاتية تمامًا، لا تتبع لأي طريقة بل لها كيانها الذاتي: مشيخة ووكلاء ونواباً ومنهجاً تربوياً وأوراداً وصلواتٍ وأذكاراً.

وإن الموروث عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- حق مشاع لجميع الطرق الصوفية بل وللمسلمين جميعًا وليس حكرًا على أحد «فكلهم من رسول الله ملتمس» بل إن جميع الطرق الصوفية متفرعة من طرق أولياء كبار، هذه الطرق بمثابة الأم أو الأصل لجميع هذه الطرق الحاليــة.

فلكل شيخ أتباع، ولكل شيخ مدرسة وطريقة موروثة عن الطريقة الأم وعن السلف الصالح مع ما يفتح الله به على شيخ الطريقة من لقاءات روحية مع رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وتجليات قلبية وواردات وجدانية لا يكذبها الشرع الواضح في شيء.

فالطريقة الجعفرية معترف بها بقرار من المجلس الصوفي الأعلى للطرق الصوفية لها وضعها الشرعي والقانونى بمصر والسودان.

س : شاع في الساحة الصوفية تعصب الأتباع لشيوخهم بما يؤدي إلى الفُرقة والشتات، فهل عالجت الطريقة الجعفرية هذا الخطأ الشائع؟ وكيف؟

ج: نعم: عُرف عن قليلي العلم بأحكام الدين العصبية الممقوتة البغيضة والتي لا يرضاها أهل التصوف الطاهر، ونحن نؤمن بتعدد الطرق الصوفية، ولكل طريقة نهجها وشيخها وأتباعها ومذهبها وأورادها، وهذا في حد ذاته لا يعدو أن يكون تنافسًا في الخير، ولا يدعو إلى شقاق وتعصب بل تسمى كل طريقة (مدرسة خاصة) ونحن نؤمن أيضًا بأن حركة التصوف حركة متكاملة ومتداخلة في المنهج والأسلوب التربوي وهذا يفتح باب اللقاء الجماعي والفردي على صعيد المحبة والأخوة وعلى بساط اللقاءات الصوفية في الحضرات الدينية والمناسبات القومية كما يفتح باب تبادل الزيارات بين الطرق الصوفية لشحذ الهمم وتقوية العزائم ولتأكيد وحدة الهـدف.

وكما هو معروف أن الحركة الصوفية لها تاريخها القديم الموروث عن السلف الصالح ولها دورها المشرق في الكفاح والنضال الوطني والديني ونشر الإسلام في مجاهل أفريقيا وآسيا، والتصوف الإسلامي له مذهبه الصافي المصفى الذي لا يقبل الفُرقة والشتات، ونحن لا ننكر أن هناك أشياء دخيلة على المذهب الصوفي لا نقرها ولا نؤمن بها بل نرفضها تمامًا، ومعالجة لذلك فإن حضراتنا مفتوحة لأبناء الطرق جميعًا فضلاً عن مشايخهم يشاركوننا ونرحب بهم ونفتح لهم المجال بأذكارهم ومناهجهم، ونحن لا نعرف التعصب ولا التحزب بل نحقق قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «وكونوا عباد الله إخوانا».

س: عُرف عن بعض الطرق أنها لا تُجْلِسُ في حضراتها إلا من أخذ العهد وتلقى البيعة على يد الشيخ فهل يوجد هذا المبدأ لديكم؟

ج : إن أبواب حضرتنا مفتوحة لجميع المسلمين ولكل محب ومريد, ومن فضل الله تعالى علينا أن مجالسنا لا تكون إلا في المساجد، ومن ذا الذي يمنع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه؟

ومن أعظم مننه علينا أن حضراتنا شرعية تمامًا والحمد لله تجذب كل من يراها إليها، ونحن لا نلزم كل من يحضر معنا بأخذ العهد والسلوك بنهجنا، بل نجد أن كل من يحضر مرة أو مرتين لا يملك إلا أن ينضم طائعًا من نفسه، لما يجده من شدة الرغبة والشوق ثم هو لا ينفك عنا بعد ذلك.

س: يزعم بعض المثقفين أن التصوف لا يلبي حاجة المجتمع الإسلامي في هذا العصر فما هي الأسباب التي أدت بهم إلى هذا الحكم؟ وهل لطريقتكم وسائل لعلاج هذه الظاهرة؟

ج : إن حركة التصوف الذاتية والاجتماعية مرتبطة ارتباطًا تربويا بنظام الحياة العام كما هي مرتبطة بحركة الحياة ومقوماتها فالصدق والأمانة والشرف والتدين والإخلاص كل هذه صفات مقومة للمجتمع، فالسلوك الشخصي لبنة في بناء المجتمع المسلم المتكامل المعافى من الرذائل والنقائص.

        وكذلك من المعروف أن المجتمع الإسلامي له حركته وفق منهج الله المقيد بإرادته  -سبحانه- المحددة في شريعة الله كتابًا وسنة وهذه الحركة هي أساس البقاء والنماء ولا تكون الحركة إلا من خلال أفراد لهم ذاتيتهم وأخلاقهم.

        ففي مجال المعاملة نعامل الله – تعالى – في أشخاص خلقه بما أراد فكل ما يصدر من إحسان في المعاملة شعاره «الدين المعاملة».

        وفي هذا المجال أعطت الطريقة الجعفرية الفرصة للشباب ليقوم بدوره في الحياة خدمة للمجتمع، فأسست له المسجد المتعدد الأغراض، كما أقامت المنشآت العلمية والإجتماعية من دور للعلم والقرآن والحضانة وفصول التقوية والعيادات الصحية والمستشفيات الخيرية.. وكل ذلك مظهر من مظاهر حركة التصوف في تطوير المجتمع وتلبية حاجة الإنسان المعاصر.

        فالطريقة الجعفرية حركة اجتماعية ومدرسة دينية سلفية صوفية لا تعرف الرهبنة ولا العزلة ولا الدجل ولا الشعوذة.

س: ارتبط اسم التصوف في كثير من الأذهان بالدجل والشعوذة فهل لذلك من أساس؟ وكيف حصنتم الطريقة ضد هذه الانحرافات؟

ج:نحن بحمد الله تعالى لا نعرف الدجل ولا الخرافات كما قد بينته لك سابقًا، وشيخنا – رضي الله عنه – يقول:

ما عندنا لهو ولا غرور          ولا خرافات ولا ظهـور

فقد حاربنا  -بفضل الله تعالى –  كل أنواع الدجل والشعوذة والخرافات وليس عندنا من يظهر بهذا المظهر النكير، وأولادنا -والحمد لله- كلهم متعلمون فاقهون لأحكام دينهم، وإن الأوراد والحصون والأذكار مع صفاء النفس وصدق النية تكفي لسد مداخل الشيطان، وإن تراث شيخنا الموروث لنا بوصفه شيخًا للأزهر الشريف لهو الحصن الحصين لنا من الوساوس والأوهام فليس لدينا من يخضع لأوهام الدجل ووساوس الشعوذة والحمد لله.

س: ينعي كثير من الناس على التصوف أنه السبب في تخلف المسلمين حيث فشت بين بعض الصوفية ظاهرة التواكل والبطالة تسترًا في لباس الزهد وبُغض الدنيا. فما وجه الحقيقة في هذه القضية؟

ج : إن العمل في الإسلام من أهم واجبات الحياة، وإن الصوفي الحقيقي لا يرضى أن يعيش عالة على غيره، وإن الإسلام بتاريخه المجيد حافل بالسجلات الدالة على هذا، وكان شيخنا- رضي الله تعالى عنه- يسأل المريد أول ما يسأله عن وظيفته هل يعمل أم لا ؟، ثم يأمر به إلى من يُعينُه على مهنة ثم يسأله بعد ذلك عن زواجه هل هو متزوج أم لا ؟ ثم يعده لأداء فريضة الحج.

        ولقد وفقنا الله – تعالى – للتعبير بأصدق حال عن هذا، فقد نشرنا المراكز الجعفرية المتعددة الأغراض على امتداد الجمهورية وعددها أكثر من ستين وهي تعبر تعبيرًا صادقًا عن نشاط الطريقة ومدى حبها للعمل، وهي واحدة من الطرق، فكثير من الطرق غيرنا لهم خدمات اجتماعية جليلة، وكل الأعمال لها مظهر اجتماعي بنّاء يقدم للمجتمع خدمات طيبة.

س: ما الأسباب والدوافع التي جعلتك تعلن اسم الطريقة الجعفرية وتطالب المجلس الأعلى للطرق الصوفية بالاعتراف بها كطريقة شرعية معترف بها رسميًا؟

ج :نعم لقد أعلنا اسم طريقتنا وطالبنا المشيخة العامة بالاعتراف بها وذلك لعدة أسباب:

أولاً: إن تعدد الطرق الصوفية يرجع أساسًا لتعدد المشايخ وكل شيخ له تلاميذه ومريدوه وله مدرسته ومنهجه الذي ارتضاه لنفسه تربية وإرشادًا وتوجيهًا، والطرق المعترف بها رسميًا اليوم في مصر نحو سبعين طريقة فضلاً عن الطرق الأخرى، ولما كان شيخنا الشيخ صالح الجعفرى له نهجه وأسلوبه الخاص في الدعوة إلى الله ، كما أن له تلاميذه وأحبابه ومريديه، وله مدرسته الصوفية، وله كيان قائم بحضرة وأذكار كان لابد لنا من إعلان طريقته لضمان الاستمرارية وحفظًا لها مما قد يحدث في المجتمع من جماعات متفرقة متطرفة وغير متطرفة ومتمذهبة بمذاهب أخرى، وأن انتمائنا للتصوف يجعلنا نسعى للانضمام إلى حظيرة الطرق الصوفية لتتم مسيرة أبناء الإمام الجعفرى التي بدأها على النهج الذي يرضيه.

ثانيًا : إن في إعلان الطريقة الجعفرية امتدادًا للمذهب الصوفي المتجدد على طريق السلف الصالح ولم نبتدع شيئًا جديدًا ولم نبتكر أمرًا غير مألوف بل هو تنشيط وتنافس في الخير، وكل شيخ طريق أخذ عن شيخه ثم عمل هو طريقه بعد فتح الله تعالى عليه باسمه وأذكاره وأوراده إذكاءاً لمدرسته وحفاظًا على تلاميذه، وبالمثال السيد أحمد بن إدريس كان شاذليًا وعندما فتح الله عليه أسس الطريقة الأحمدية الإدريسية الشاذلية، وكذلك السيد محمد عثمان الميرغنى أخذ الطريقة الإدريسية الشاذلية، ثم أسس الختمية الميرغنية، والسيد محمد بن علي السنوسي أخذ عن سيدي أحمد بن إدريس الطريقة الشاذلية ثم أسس السنوسية، وإسماعيل الولي كان ختميًا ميرغنيًا ثم أسس الطريقة الإسماعيلية في السودان والمجذوب كان شاذليًا ثم أسس المجذوبية، وبالإحصائية نجد أن الطرق الصوفية التي تنتسب إلى سيدي أحمد البدوي ستة عشر فرعًا، وفروع الشاذلية خمسة عشر فرعًا، والبرهامية خمسة فروع، والخلوتية أربعة وعشرون فرعًا، وهكذا تتعدد الطرق بتعدد المشايخ، وشيخنا الإمام الجعفري واحدٌ منهم، رضي الله تعالى عن الجميع.

ثالثًا : كيان أبناء الإمام الجعفرى و وضعهم بدون إطار رسمي يجعلهم في مهب الريح لأي طامع يدعي نفسه منهم و ينسبهم إلى نفسه أو يحتويهم، وعندئذ يكونون عرضة لأي تهمة أو شبهة، وإعلان الطريقة رسميًا يجعلهم في حماية المجلس الأعلى للطرق الصوفية وتحت رعايته ووصايته بعد رعاية عين الله – تبارك وتعالى-.

س: ما هي العلاقة الصوفية والرسمية التي تربطكم بالطريقة الأحمدية الإدريسية الشاذلية؟

ج : نعم هناك علاقة تربطنا بالطريقة الإدريسية وهي علاقة روحية فقط إذ إننا جميعًا تلاميذ سيدي أحمد بن إدريس – رضي الله تعالى عنه- ننتسب إليه لأن شيخنا تلقى الطريق عن سيدي محمد الشريف بن سيدي عبد العالى بن سيدى أحمد بن إدريس -رضي الله عنهم جميعًا-، فبذلك نحن نشترك مع الأحمدية والسنوسية والختمية والدندراوية والرشيدية نجتمع جميعًا في طريق ونهج سيدي أحمد بن إدريس وكذلك لكل طريقة أورادها، وأذكارها مستمدة من الطريقة الشاذلية الأم حتى أوراد السيد أحمد بن إدريس نفسه موروثة عن الشاذلية والمُطلع على أوراد هذه الطريقة يجد أن الجميع مشتركون في بعضها نصًا تلقوه عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وذكروا ذلك في كتبهم.وكما قال سيدي ابن السنوسى متمثلاً بقول الإمام البصيرى: «وكلهم من رسول الله ملتمس» وقد قال: سيدى أحمد بن إدريس: جميع تلاميذى تلقوا أورادهم عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-.

        وعلاقة الطريقة الجعفرية بالسادة الإدريسية علاقة مشايخنا في الطريق، ونحن على طريق شيخنا في علاقتنا بجميع المشايخ والطرق الصوفية، وهي علاقة طيبة والحمد لله.

        هنالك أهداف كثيرة وضعناها نصب أعيننا وقت تأسيس الطريقة، وقد حقق الله الكثير منها، فله الحمد- سبحانه- وما زالت هناك آمال نرجو لها التحقيق.

        ومن الأهداف التي وفقنا الله إلى تحقيقها ما وضعته الطريقة من برنامج الصحوة الصوفية الشبابية منذ حوالي تسع سنين، ونعنى بذلك العودة بالتصوُف إلى الموروث عن السلف الصالح، والبُعد عن كل دخيل على التصوف، ومحاربة كل مخالف للشريعة.

وقد عنينا في هذه المرحلة- خاصة- بمشكلة الشباب، ولذلك ألحقنا كلمة (الشبابية) بـ  (الصحوة الصوفية)..

        والحمد لله.. فقد تحققت هذه الصحوة في جميع مراكز الطريقة حيث تصدى الشباب للبناء والتعمير وإدارة المؤسسات في حركة شبابية واعية مدركة لدورها في مجتمعها الكبير.. فشباب الجعفري اليوم يعتلى المنابر، ويخطب الجمع، ويعظ الناس، وينشئ ((كتاتيب)) تحفيظ القرآن، وفصول التقوية والمستشفيات الخيرية.

        وشغلنا الشاغل أن يعيش الشباب في استقرار نفسى في جو من الأمن والأمان تجاه الفتن المروعة التي تحدق به من كل الجهات تريد فتنته وإضلاله، وأخذه إلى مهاوى الرذيلة أو التطرف..

        الطريقة الجعفرية تجاوزت مصر والسودان إلى غيرهما من بلدان العالم الإسلامى    كـ(ليبيا والكويت والبحرين وماليزيا وغيرها…)

        في الواقع أن اسم شيخنا الإمام الجعفري قد طاف بلاد العالم الإسلامي مع أفواج تلاميذه الوافدين الذين تلقوا تعليمهم فى الأزهر لدى عودتهم إلى بلادهم ذاكرين ما شاهدوه من علم الشيخ وفضله، ولا زالت صلة هؤلاء وأحبائهم بالإمام الجعفري وطريقته عن طريق التزاور المراسلات والاتصالات المختلفة، والمؤلفات، والمدائح.. كذلك تلاميذ الإمام الجعفري من المصريين المبعوثين إلى البلاد الإسلامية هم نقلة لسيرته وحملة لمنهجه حيثما نزلوا .

نشر التراث الصوفي :

في الحقيقة منذ أن أنشأنا «دار جوامع الكلم» مؤسسة الطريقة للثقافة الصوفية الشرعية وهي تواصل مشوارها في نشر التراث الصوفي، فقد طبعنا العديد من أمهات الكتب الصوفية لكبار علماء التصوف.

ومن أئمة التصوف الذين طبعنا لهم سيدي إحمد بن إدريس- رضي الله تعالى عنه- فقد طبعنا كل المخطوطات التي سجلها تلاميذه في دروسه ومحاضراته ومحاوراته والأسئلة والأجوبة التي بحث عنها شيخنا وأحضرها من بلاد عديدة، فقد سافر إلى المغرب إلى خلوة سيدي أحمد بن إدريس، ونقب عن تراثه، وراسل تلاميذه في اليمن والسعودية، فكل ما ظهر من تراث سيدي أحمد بن إدريس جدده شيخنا- عليه رضوان الله تعالى- بالمراجعة والتنقيح والتصحيح والتبويب والتحقيق وجعله في رسائل، وجعل لكل رسالة اسمّا حمل اسم سيدي أحمد بن إدريس وطبعها على نفقته الخاصة ووزعها مجانًا لكل محب ومريد مجددًا بذلك تراث سيدي أحمد بن إدريس، وأعطاه بعثًا جديدًا، وفي الحقيقة أظهره لأول مرة، وهذا سابقة لم يسبقه إليها أحد من أبناء سيدي أحمد بن إدريس فالتراث الأحمدي الإدريسي وجد بعثًا من شيخنا، والحقيقة تقال: إن الطريقة الجعفرية الأحمدية المحمدية بعث جديد ومدد جديد لاسم سيدي أحمد بن إدريس وتراثه و«دار جوامع الكلم» في عهدها الجديد امتداد حقيقى لكل ما عمله شيخنا- عليه رضوان الله تعالى- وعلى طريقة سائره إن شاء الله –تعالى-، فالدار تطبع وتنشر لكبار علماء التصوف على مختلف مذاهبهم ومشاربهم، والرسائل تتدفق عليها من جميع البلاد.

وعندنا مخطوطات من البحرين مهمة، ووصلتنا رسالة مهمة هي «الراتب الشهير للقطب العارف بالله –تعالى- سيدي محمد الرشيدي – رضي الله تعالى عنه-» في اليمن أرسلها مع مندوبه الشيخ محمد عبد الجبار المصورى تلميذ الشيخ العارف بالله أحمد بن علوان، وهذه الرسالة شملت أوراد السيد أحمد بن إدريس وأوراد سيدى محمد الرشيدى وقد أكدت قولنا بأن أوراد سيدنا أحمد بن إدريس حق مشاع لجميع تلاميذه، نقلوا منها في أورادهم، وهذا يحقق ما كتبه السيد محمد بن على السنوسى في «مشارق الأنوار» بأن تلاميذ سيدى أحمد بن إدريس تلقوا عنه الأوراد أولا ثم تلقوها عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وذكر ذلك شيخنا فى كتابه «المفتاح»، وذكر ذلك السيد محمد عثمان الميرغني في الترجمة في «الراتب الميرغنى» وذكر ذلك السيد أحمد الشريف السنوسى في كتابه «الفيوضات الربانية في إجازة الطريقة السنوسية».

        ومع هذه الرسالة التي وصلتنا من اليمن كتاب «المهرجان» وكتاب «التوحيد الأعظم» و«ديوان الفتوح» كل هذه الكتب لعالِم علماء اليمن السيد أحمد بن علوان وسترى النور قريبًا لتزدان بها المكتبة الصوفية.

قد جاءكم من الله نور

الحمد لله رب العالمين. حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شىء بعد، حمدًا يوافى نعمه ويكافئ مزيد فضله، كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ووافر آلائه، وسابغ نعمائه.

والصلاة والسلام والبركات على سيد السادات والنور السارى فى الكائنات، وصدق ربنا الكريم إذ يقول: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107)، وعلى آله الطاهرين، وصحابته المؤازرين، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، واجعلنا منهم ومعهم يا رب العالمين بجودك يا كريم .. وبعد.

فكلما أهلَّ علينا شهر النور “ربيع الأول” عمَّت أنوار ميلاد نبينا – صلى الله عليه وآله وسلم – القلوب والكائنات، ورنت البهجة وألوان السرور فى الأرض والسماوات، وكل  يعبر عن هذه الفرحة بما يسره الله له، فمنهم العابد بالصيام والقيام، وآخر بتلاوة القرآن، وثالث بمديح المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – سيد الأنام، وآخرون يكتبون ويقولون، والجميع بهذه المناسبة مستبشرون، وكلٌّ فى فلكٍ يسبحون، ذلك أن الله – سبحانه – جعل لنا هذا النبى الخاتم نورًا فى الأولى والآخرة، ورحمة للعالمين فى الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأكرم أمته وجعلها خير أمة أخرجت للناس، وصدق ربنا – جلَّت حكمته إذ يقول: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(آل عمران: من الآية110)، فإذا كان الأمر كذلك فالواجب على أهل العلم والإيمان من أمة سيد الأنام أن يُذَكِّروا الناس كلما مرَّ عليهم العام، وجاءت بشارات ميلاده عليه الصلاة والسلام.

ومهما كتب الكاتبون، وتحدث القائلون، وأفاض المتحدثون، فإنهم لم ولن يستطيعوا أن يوفوا نبينا – صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله – حقه أبدًا، ولقد صدق الشيخ العلامة العارف بالله تعالى عبد الغنى بن إسماعيل بن عبد الغنى النابلسى الحنفى الدمشقى النقشبندى إذ يقول:

كل النبيين والرسل الكرام أتوا
فهو الرسول إلى كل الخلائق فى

 نيابة عنه فى تبليغ دعواه
كل الزمان ونابت عنه أفواه

ويقول الإمام فخر الدين الرازى المعروف بابن الخطيب:

أنت الذى لولاك ما خُلِقَ امرؤٌ
أنت الذى من نورك البدر اكتسى
أنت الذى لما رفعت إلى السما
أنت الذى ناداك ربك مرحبًا

كلا .. ولا خُلِقَ الورى لولاكا
والشمس مشرقةٌ بنور بهاكا
بك قد سمت وتزينت لسراكا
ولقد دعاك لقربه وحباكا

إلى أن قال:

لك معجزاتٌ  أعجزت كل الورى

وفضائلٌ جلَّتْ فليس تحاكا

ثم يقول:

ماذا يقول المادحون وما عسى
والله لو أن البحار مدادهم
لم تقدر الثقلان تجمع ذرة

أن يجمع الكُتَّاب من معناكا
والعشب أقلام جعلن لذاكا
أبدًا وما اسطاعوا لذا إدراكا

فهذا النبى المصطفى الحبيب ، رحمة العالمين فى الأولى والآخرة، فلقد أرسله مولاه بشريعة سمحاء، جمعت الخير لأمة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فى الدنيا والآخرة، ومن يقرأ القرآن الذى أنزل على هذا النبى العدنان يرى فيه خيرًا لا حدود له لمن آمن بالله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرًا، وتدبر قوله – تعالى – : (إنَّا أعْطَيْنَاكَ الكَوْثَر . فصلِّ لربِّكَ وانْحَرْ . إنَّ شانئَكَ هو الأبْتَر)، ففى هذا الكتاب الذى لا ريب فيه تنزيل من حكيم حميد كل شىء كان وما سيكون ، وحكم ما هو كائن إلى يوم الدين، لأنه حكيم عليم، الذى لا يعزب عن علمه شىء فى الأرض ولا فى السماء، وجميع ما سواه خلقه، والأمر فى الملكوت أمره، (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(الأعراف: من الآية54)، فبهذا القرآن عرفنا البشرية، وبداية الكون، بما فيه من دلائل العظمة الإلهية، ثم عرفنا منه أحكام التشريعات الإلهية، ليكون الإنسان على بينة من أمره فى معيشته الدنيوية، ومعلوم أن الدنيا مزرعة الآخرة، ففيها عمل بلا حساب، والآخرة حساب ولا عمل، فإما نعيم أبدًا، وإما شقاء محتوم، والعياذ بالله، كما عرفنا من هذا التنزيل نهاية الدنيا وما سيكون عليه الناس قبل يوم القيامة، وقد فصل النبى – صلوات الله وسلامه عليه – بقوله هذا الأمر تفصيلاً نراه واقعًا فى حاتنا المعاصرة، بما لا مزيد عليه من البيان، وذلك دليل على رسالته الخاتمة، ومعجزاته الباهرة، لأنه رسول رب العالمين، ومن هذا المعنى نتدبر الحديث التالى ليكون آية للمتوسمين:

روى البخارى ومسلم بالسند المتصل إلى سيدنا عقبة بن عامر – رضى الله تعالى عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – خرج إلى قتلى أُحُدٍ – وكانت وقعة أحد سنة ثلاث أو أربع من الهجرة – بعد ثمان سنوات كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: ” إنى بين أيديكم فَرَطٌ وأنا عليكم شهيد، وإنَّ موعدكم الحوض، وإنى لأنظر إليه من مقامى هذا وإنى لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدى ولكنى أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها” قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وفى رواية: ” إنى فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإنى والله لأنظر إلى حوضى الآن وإنى قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإنى والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدى ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها”.

والمعنى والمفهوم من كلام سيدنا ومولانا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه ودَّع الدنيا بوداع الأموات بالزيارة لهم داعيًا، ثم ودَّع الأحياء بهذه الكلمات الموجزة على المنبر، وهى تدور حول ما ستكون عليه الأمة من الاستقامة على هذا الدين، فلا خوف عليهم من الشرك الذى زال وانتهى بلا عودة، لكن الخوف على الأمة فى كثرة الأموال  وغفلة الناس عن واجب هذه النعمة بشكر المنعم، وأداء الحقوق إلى أهلها، خصوصًا وأن المال موجود، بل إنه كثر حتى أنسى الناس ذكر المعطى الوهاب، فتنافسوا فى جمع الأموال واقتتلوا على هذا الحال، حتى هلكوا كما فعل السابقون، فهلكوا بحطام هذه الدنيا، بفتنة الأموال والأولاد كما فى هذه الحكم: (الدنيا إذا حَلَتْ أوْحَلَتْ، وإذا جَلَتْ أوْجَلَتْ، وكم ملك رفع فيها علامات، فلما علا مات).

كما بين النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – أن الله – تعالى – كشف له عن حوضه فهو يراه ببصره الآن وهو يخطب، وهذا إعجاز، ولكن يقرب هذا المعنى ما فى عصرنا اليوم من الآلات التى صنعها الإنسان بنعمة ربه عليه مثل ( التليفزيون) الذى قرب البعيد وأتى بالماضى السحيق، فيراه المرء رأى العين.

وقد بين المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – أيضًا أن مفاتيح خزائن الأرض أى النعم كلها فى جنبات الأرض فى يد النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – لأنه حبيب الله ومصطفاه، كما قال الإمام البوصيرى :

وراودته الجبال الشم من ذهبٍ
واكدت زهده فيها ضرورته

عن نفسه فأراها أيَّما شمم
إن الضرورة لا تعدو على العصم

فمن يقرأ هذه الأحاديث النبوية التى جاءت بطريق الوحى على أسماع هذا الزمان يؤكد أن نبينا – صلى الله عليه وآله وسلم – رحمة للعالمين ونور لمن اهتدى إلى يوم الدين ، فى جميع أرجاء الأرضين.

فمن قال بعد ذلك بالشركيات التى يتفوه بها المتعالمون ويتشدق بها أنصاف المثقفين، فلا أساس لقوله فى عالم الدين، بعدما قال هذا سيد العالمين: ” وإنى والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدى” فلماذا رَمْىُ المسلمين بهذا الشرك الذى نفاه رسولنا – صلى الله عليه وآله وسلم – عن أمته ولمصلحة من هذا الكلام؟ إنَّ هذا لهو الإفك المبين، فيا ليت قومى يعلمون.

لكن ما الذى يخافه علينا رسولنا – صلوات الله وسلامه عليه -؟

إنها الدنيا .. التى أقبلت علينا بزهرتها، وتفتحت كنوز الأرض على أهلها، وصارت الأموال بالملايين والمليارات فى أيدى حفنة من الناس يغلبون بها مع ضعف الإيمان بالرزاق ذى القوة المتين، أليس هذا هو ما نراه الآن؟ أو ليس المال قد غلب على الناس كلهم؟ لقد صارت الموازين فى كل الأمور بالأموال والأولاد، والأصحاب، والعلاقات، أما ترون الشباب فى هذه الأيام وقد صار همهم المال للنزوات والشهوات؟ إنك تراهم فى الشوارع يهيمون، وعلى مجالس الشياطين يتهافتون، وفى نواديهم يلهون ويلعبون، إذا رأيتهم خلت الشياطين، وإذا سمعتهم رأيت صورهم كريهة وهم يتكلمون، ولا ينطقون إلا بساقط العبارات، وبذىء الكلمات، ويتضاحكون وهم يتحدثون، إذا رآهم التقى انخلع قلبه، وسد أذنيه، وأسرع الخطو ليبعد عنهم، واستغفر ربه من لقائهم، ودعا الله الكريم لهم بالمغفرة، والهدى، وأن يغير ما بهم بصلاح أحوالهم، إنه خالقهم وهو القادر على إصلاحهم، وفى وصفهم بأحوالهم كلام يطول.

وفى ختام هذه الكلمات الموجزة أنادى على أبناء هذا الزمان قائلاً: يا أمة رسول الأنام، ومصباح الظلام أفيقوا من غفلتكم، وراجعوا بعقولكم حياتكم، واتقوا الله فى أقوالكم وأعمالكم، وانظروا فى قلوبكم، فان الحياة أيام معدودة، وساعات محدودة، ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)(الأعراف: من الآية34)، ثم يرى المرء نفسه أمام العليم الخبير الذى لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء، ويحاسب كل نفس بما قدمت، فإما إلى نعيم أبدى، أو إلى عذاب سرمدى، فالرجعة الرجعة أيها الأحباب، والتوبة والعودة إلى رب الأرباب، فإن الله يقبل التوابين ويحبهم، ويفرح بمن لاذ به وأناب ، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، والحمد لله رب العالمين.

من فتاوى العلماء وأجوبتهم

معنى قول النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – : “إذا سألت فاسأل الله”:

سئل شيخنا العارف بالله تعالى الشيخ صالح الجعفرى الحسينى – رضى الله عنه – عن معنى هذا الحديث فقال للسائل:

قال الله عزَّ وجل : (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (الضحى:10)، وفى هذا جواز أن يسأل المخلوق مخلوقاً مثله، وقال الله – تعالى – : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(الأنبياء: من الآية7)، فأباح سؤال المخلوق المتعلم للمخلوق العالم، وربنا – تعالى – قال عن ذى القرنين: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً)(الكهف: من الآية95)وهذا الملك الصالح طلب العون من رعيته المخلوقين، وقال – تعالى – : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى )(المائدة: من الآية2)، فأباح لنا التعاون كأن يطلب مسلم من أخيه أن يعاونه ويقرضه مالاً ينتفع به، فهذا جائز أم لا؟! الجواب: جائز، ولا يفهم من هذا الكلام ونظائره إلا بالعلم، كما ورد فى الحديث: ” يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من النار، لا أملك لك من الله شيئًا” على معنى : آمنى فإن الكافر لا تنفعه شفاعة الأنبياء، قال – تعالى – : (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثر:48)، ثم إن كلامه – صلى الله عليه وآله وسلم – لابنته فاطمة – رضى الله عنها – على نهج المثل: ” إياك أعنى واسمعى يا جارة” لمخاطبة نساء قريش اللاتى لم يزلن على الكفر؛ وكأن لسان حالها قال: (أنا مسلمة مؤمنة)، وكأنه – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: إنى أتكلم معك لأجل غيرك، إفهمى يا فاطمة الإسلام فهمًا صحيحًا، أنا أنفعك إن أسلمت وآمنت بالله، لكن إذا كفرتِ فلا أنفعك فى شىء، قال – تعالى – عن الملائكة: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)(الانبياء: من الآية28)، فالملائكة عندهم شفاعة لكنهم لا يشفعون إلا للمؤمنين، وقال – تعالى – ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه)(البقرة: من الآية255) يعنى عنده شفاعة لكن بإذن الله تعالى ، وأما حديث: ” إذا سألت فاسأل الله ..” فقد قاله النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – فى زمن قرب من الجاهلية، وكأنه أوصى ابن عباس بألا يفعل مثل الكافر فيذهب إلى اللات والعزى والأصنام التى يعبدونها من دون الله، أى إذا سألت فاسأل الله ولا تسأل اللات والعزى.

(الفتاوى والأجوبة الجعفرية – ص 43،44).

حديث سيدنا عمر – رضى الله عنه – عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم:

ذكر العلامة ابن الحاج (ت 737 هـ) رحمه الله فى كتابه المدخل أن سيدنا عمر – رضى الله عنه – سُمع بعد وفاة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – يبكى ويقول: ” بأبى أنت وأمى يا رسول الله .. لقد كان لك جذع تخطب الناس عليه فلما كثروا اتخذت منبراً لتسمعهم فحنَّ الجذع لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن، فأمتك أولى بالحنين إليك حين فارقتهم، بأبى أنت وأمى يا رسول الله .. لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته فقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)(النساء: من الآية80)، بأبى أنت وأمى يا رسول الله . لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء، وذكرك فى أولهم فقال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (الأحزاب:7)، بأبى أنت وأمى يا رسول الله .. لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون ( يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا)(الأحزاب: من الآية66)، بأبى أنت وأمى يا رسول الله . لئن كان موسى بن عمران أعطاه حجرًا تتفجر منه الأنهار فما ذاك بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء، صلى الله عليك، بأبى أنت وأمى يا رسول الله.. لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله ريحًا غدوها شهر ورواحها شهر فما ذاك بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى السماء السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح، صلى الله عليك، بأبى أنت وأمى يا رسول الله .. لئن كان عيسى بن مريم أعطاه الله – تعالى – إحياء الموتى فما ذاك بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهى مسمومة فقالت: لا تأكلنى فإنى مسمومة، بأبى أنت وأمى يا رسول الله . لقد دعا نوح على قومه فقال: ( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً)(نوح: من الآية26)، ولو دعوت مثلها علينا لهلكنا عن آخرنا، فلقد وُطِئ ظهرك، وأُدمِىَ وجهك، وكُسِرَتْ رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرًا فقلت: “اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون”، بأبى أنت وأمى يا رسول الله .. فلقد اتبعك فى أحداث سنك وقصر عمرك ما لم يتبع نوحًا فى كبر سنه وطول عمره، فلقد آمن بك الكثير، وما آمن معه إلا قليل، بأبى أنت وأمى يا رسول الله .. لو لم تجالس إلا كفؤًا لك ما جالستنا، ولو لم تنكح إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا، ولو لم تؤاكل إلا كفؤًا لك ما آكلتنا، ولبست الصوف، وركبت الحمار، ووضعت طعامك بالأرض، ولعقت أصابعك تواضعًا منك، صلى الله عليك.

(المدخل 3|221، 222).

حول معجزة حنين الجذع إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم

سئل الإمام المحدث أحمد شهاب الدين بن حجر الهيتمى المكى (ت974هـ) – رحمه الله تعالى – : لما حنَّ الجذع إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – هل ورد أنه نزل – صلى الله عليه وآله وسلم – عن المنبر واحتضنه؟

فأجاب – رحمه الله – بقوله:

نعم . ورد بل صح، ففى رواية البخارى عن جابر – رضى الله عنه – : ” أنه لما صاح نزل رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وضمَّه إليه فجعل يئن أنين الصبى الذى يسكت” ، وفى رواية لأبى يعلى الموصلى: ” أنه – صلى الله عليه وآله وسلم – لما قعد على المنبر خار الجذع خوار الثور حتى ارتج المسجد لخواره حزنًا على رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فنزل إليه رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – والتزمه، فقال: ” والذى نفس محمد بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة” فأمر به – صلى الله عليه وآله وسلم – فدُفِن، وروى الترمذى وقال: صحيح غريب، وكذا ابن ماجة والإمام أحمد بن حنبل من طريق الحسن ، وفيه: ” فأخبر أنس أنه سمع الخشبة تحن حنين الولد ، قال فما زالت تحن حتى نزل رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – عن المنبر فمشى إليها فاحتضنها فسكنت.

(فائدة) فى حديث بريدة الذى أخرجه الدرامى أنه – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: : ” إن أردت أن أردك إلى الحائط الذى كنت فيه تنبت لك عروقك وتكمل خليقتك ويجدد لك خوص وثمر، وإن شئت أغرسك فى الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك؟ ثم أصغى له النبى – صلى الله عليه وآله وسلم يستمع ما يقول، فقال: ” بل تغرسنى فى الجنة فيأكل منى أولياء الله وأكون فى مكان لا أبلى فيه” ، فسمعه من يليه، فقال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم : ” قد فعلت” ثم قال: ” اختار دار البقاء على دار الفناء” .

الفتاوى الحديثية ص 272، 273)

حول نسبه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم

سئل فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود – رحمه الله تعالى – عن النسب الشريف لسيدنا ومولانا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فقال: ” الصحيح من نسب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أما ما بعد عدنان من الأسماء فلا يقين فيه، والذى صحَّ عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه انتسب إلى عدنان لم يتجاوز، وقد روى ابن عباس – رضى الله تعالى عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – لما بلغ فى ذكر نسبه إلى عدنان قال: ” كذب النسابون” مرتين أو ثلاثًا، وقد روى عن عمر – رضى الله عنه – أنه قال: إنما انتسب إلى عدنان، وما فوق ذلك لا ندرى ما هو، أما مسألة أن النسب الشريف ينتهى حقًّا إلى سيدنا إبراهيم فقد روى فى ذلك الإمام البخارى حديثًا صحيحًا عن وائلة بن الأسقع قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم” ، ويلاحظ أن هذا الحديث الشريف لم يذكر سلسلة النسب من إسماعيل – عليه السلام – إلى بنى كنانة، ولكنه يؤكد أن النسب الشريف ينتهى إلى إسماعيل وإبراهيم عليها السلام، وليس فى ذلك استحالة عقلية، وليس هناك من التاريخ اليقينى ما ينفى ذلك، وبقى الحديث صحيحًا وأن نسبه – صلى الله عليه وآله وسلم – ينتهى إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام.

(فتاوى الدكتور| عبد الحليم محمود 1|156، 157)

عرض الأعمال على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

يقول فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف فى كتابه (فتاوى شرعية وبحوث إسلامية) : وردت إلينا عدة أسئلة عن حديث (حياتى خير لكم ومماتى خير لكم.. الحديث) هل هو حديث مروى؟ وما معناه؟

الجواب: قد روى هذا الحديث بهذا اللفظ فى الجامع الصغير بإسناد ضعيف عن أنس بن مالك – رضى الله عنه – ، وروى عن بكر بن عبد الله المزنى مرسلاً بلفظ: ” حياتى خير لكم تحدثون ويحدَّث لكم، فإذا أنا متُّ كانت وفاتى خيراً لكم، تُعْرَضُ علىَّ أعمالكم فما كان من حسن حمدت الله عليه، وما كان من سيئ استغفرت الله لكم”، وروى عبد الله بن المبارك عن سعيد بن المسيب قال: ” ليس من يوم إلا وتعرض على النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – أعمال أمته غدوة وعشيًّا فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فيحمد الله ويستغفر لهم”، وهذا الحديث قد روى مرسلاً ورجاله ثقات كما نقله العزيزى فى شرح الجامع الصغير، وروى مسندًا عن أنس، ومرفوعًا بإسنادٍ جيد عن ابن مسعود – رضى الله عنه – فيقبل باتفاق الأئمة.

وإذا ثبت هذا الحديث رواية فمعناه أن النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – كان خيرًا للأمة فى حياته إذ حفظها الله – تعالى – بسر وجوده من الضلال والفتن والاختلاف، وهدى به الناس إلى الحق المبين، وبعد أن توفاه الله لا زال خيره موصولاً، وظل بره ممدودًا؛ إذ تعرض عليه أعمال أمته كل يوم فيحمد الله على ما يجد من خير، ويسأل الله لهم مغفرة الصغائر وتخفيف العقاب على الكبائر، وهذا خير عظيم، فكان – صلى الله عليه وآله وسلم –  فى حياته خيرًا للأمة، وكانت وفاته خيرًا لها، وهو – صلى الله عليه وآله وسلم – حىٌّ فى قبره حياة برزخية خاصة أقوى من حياة الشهداء التى نطق بها القرآن فى غير آية لا يعلم كنهها إلا واهبها – جل وعلا – وهو على كل شىءٍ قدير، وعرض الأعمال عليه تكريمًا له ولأمته من الأمور الجائزة عقلاً الواردة سمعًا فلا مجال لإنكاره، ويهدى الله لنوره من يشاء، والله أعلم.

(فتاوى شرعية ص 102، 103).

حياة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى

سئل فضيلة الشيخ على جمعة مفتى الديار المصرية – حفظه الله تعالى – : هل النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – حىٌّ فى قبره؟ وما مدى أثر تلك الحياة علينا فى حياتنا الدنيا؟

فقال: لا بد من تحرير المصطلحات أولا فى تلك القضية فإن أكثر المشكلات تزول بمجرد تحرير المصطلحات، فإذا كان المقصود من حياة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – فى قبره أنه – صلى الله عليه وآله وسلم – لم ينتقل من حياتنا الدنيا ولم يقبضه الله إليه فذلك باطل بنص القرآن الكريم، قال – تعالى – : (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) (الانبياء:34)، وقال – تعالى – : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر:30) فالنبى – صلى الله عليه وآله وسلم – انتقل من هذه الحياة الدنيا ولكن بانتقاله هذا لم ينقطع عنا- صلى الله عليه وآله وسلم – وله حياة أخرى هى حياة الأنبياء وهى التى تسمى الحياة بعد الموت أو الممات كما سماها – صلى الله عليه وآله وسلم – حيث قال: ” حياتى خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ومماتى خير لكم تعرض علىَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم”، وقال – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” ما من أحد يسلم علىَّ إلا ردَّ الله علىَّ روحى حتى أردَّ عليه السلام”، وهذا الحديث يدل على اتصال روحه ببدنه الشريف – صلى الله عليه وآله وسلم أبدًا؛ لأنه لا يوجد زمان إلا وهناك من يسلم على رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ، وحياة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتقاله ليست كحياة باقى الناس بعد الانتقال، وذلك لأن غير الأنبياء لا ترجع أرواحهم إلى أجسادهم مرة أخرى فهى حياة ناقصة بالروح دون الجسد، وإن كان له اتصال بالحياة الدنيا كرد السلام وغير ذلك مما ثبت فى الآثار، ولكن الأنبياء فى حياة هى أكمل من حياتهم قبل الانتقال، وأكمل من باقى الخلق بعد الانتقال، وقد صحَّ أن الأنبياء – عليهم السلام – يعبدون ربهم فى قبورهم، فعن أنس – رضى الله عنه – أن النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: ” مررت على موسى ليلة أسرى بى عند الكثيب الأحمر وهو قائمٌ يصلى فى قبره، وعنه – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” الأنبياء أحياءٌ فى قبورهم يصلون” ويدل هذا الحديث على أنهم أحياء بأجسادهم وأرواحهم لذكر المكان حيث قال (فى قبورهم)، فهم أحياء فى قبورهم حياة حقيقية كحياتهم قبل انتقالهم، وليست حياة أرواح فحسب، كما أنَّ أجسادهم الشريفة محفوظة يحرم على الأرض أكلها، فقد صحَّ عنه – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال: ” إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء”، فالنبى – صلى الله عليه وآله وسلم – حىٌّ فى قبره بروحه وجسده، وجسده الشريف محفوظ كباقى إخوانه من الأنبياء، وهو يأنس بربه متعبدًا فى قبره متصلاً بأمته يستغفر لهم ويشفع لهم عند الله، ويرد عليهم السلام وغير ذلك الكثير.

(البيان القويم لتصحيح بعض المفاهيم ص10: 12)

خواطر قرآنية فى خصائص خير البرية

أحمده ربي وأستغفره، وبعد، فإن من يتصفح آيات القرآن الكريم يجده زاخرًا بالإشارات التى تبرز مقام سيد ولد عدنان – عليه أفضل الصلاة وأتم السلام – ما اختلف الملوان وتعاقب الجديدان، ويتجلى ذلك واضحًا لكل من جال بخواطره وأعمل فكره ووجه قلبه وساح بروحه فى معارج العرفان وأطوار معانى التبيان ورقائق دقائق حقائق الفرقان، فعلى سبيل المثال: إذا نظرنا إلى صدر فاتحة الكتاب العزيز مستلهمين عبر آياتها، متلمسين دروس مواد كلماتها وجدنا الإشارة تشيد بذلك المقام المحمدىّ العالى، وتنوه بالجناب المحمدىّ الغالى، إشادة برتبته السامية، وتنويهًا بدرحته العالية، فمثلا قوله – تعالى – : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة:2): إذا كان الحمد خاصًّا لله – تعالى – فقد منح نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – منه منحة عظيمة ووهبه من الحمد هبة جسيمة؛ حيث اشتق له من مادة الحمد اسمين من أسمائه – صلى الله عليه وآله وسلم – هما (محمد وأحمد) وفى هذا دلالة واضحة على مدى اعتناء الحق – تعالى – به – صلى الله عليه وآله وسلم –وإذا كان الحق هو المحمود بجميع المحامد فقد سمى نبيه محمدًا اشتقاقًا من (الحمد)، وقد أشار سيدنا حسان بن ثابت – رضى الله تعالى عنه – إلى ذلك حين قال يمدح النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – :

أغَرٌّ عليه للنبوةِ خاتمٌ
وضمَّ الإله اسمَ النَّبىِّ إلى اسمهِ
وشقَّ له مِنْ إسمهِ ليجله

من الله ميمونٌ يلوحُ ويشهدُ
إذا قال فى الخمسِ المؤذنُ أشهدُ
فذو العرشِ محمودٌ . وهذا مُحَمَّدُ

وإذا انتقلنا إلى قوله – تعالى – : (رَبِّ العَالَمينَ) نذكر قوله – عزَّ وجلَّ – لنبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107)، فإذا كان الله – تعالى – هو رب العالمين جميعًا فقد جعل للعالمين بابًا يرحمهم به هو نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – وقد طبعه الله – تعالى – على هذه الرحمة التى تجلت فى سائر أحواله مع سائر الكائنات، وقد قال – صلى الله عليه وآله وسلم – : ( إنما بُعِثْتُ رحمة).

وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى قوله – تعالى – : (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة:3) رأينا كيف خلع – سبحانه – اسم الرحمة الذى هو من أخَصِّ أسمائه وأوصافه على نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – وسماه به وعطف على اسم الرؤوف وذلك فى قوله – تعالى – : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128).

وإذا انتقلنا إلى قوله – تعالى – : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة:4) وهو ما وصف به نفسه وأبرزه أيما إبراز فى سورة غافر حيث قال – تعالى – : (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ . الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (غافر:16-17) إذا قرأنا ذلك تذكرنا منحة الله – تعالى – لنبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – للخلائق أجمعين فى هذا اليوم العصيب، يوم تدنو الشمس من الرؤوس ويغرق الناس فى عرقهم حتى يلجم العرق كثيراً منهم، فى هذا اليوم نتذكر منحة الله – تعالى – لنبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – من الحوض المورود واللواء المعقود والمقام المحمود، وهو المشار إليه فى قوله – تعالى – : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الاسراء:79)، وهو ما بينه – صلى الله عليه وآله وسلم فى كثير من الأحاديث والتى من أشهرها قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علىَّ؛ فإنه من صلى علىَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله عز وجل لى الوسيلة فإنها منزلة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لى الوسيلة حلَّت له الشفاعة).

ومن الأحاديث التى تبرز مقامه العالى وشفاعته العظمى يوم الدين ما جاء فى حديثه المطول والذى فيه أن الناس يأتون إلى آدم فمن دونه إلى عيسى عليهم السلام جميعًا طالبين منهم الشفاعة والكل يعتذر ويقول: نفسى . نفسى، اذهبوا إلى غيرى، ويذكر ذنبًا ما خلا عيسى – عليه السلام – وهو يعتذر أيضًا ويرشد إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – صاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود والذى يقول: أنا لها . أنا لها، فيأتى العرش فيسجد تحته ويفتح الله – تعالى – له بمحامد لم تفتح لأحد غيره، فيسمع النداء من رب الأرض والسماء صاحب الفصل فى القضاء: (يا محمد ارفع رأسك وسل تُعْطَ واشفع تُشَفَّعْ) فينجلى الكرب عن الخلائق كما يظهر مقامه – صلى الله عليه وآله وسلم – عند ربه – تعالى – ومدى اختصاصه فى ذلك اليوم، وقد صوَّر شيخنا الإمام الجعفرى – رضى الله عنه هذا المشهد المهيب فى ديوانه العامر مادحًا جده المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – وهو يقول:

هذا الشفيعُ لفصلٍ فى القضاء إذا
نأتى لآدم لا يقبل مقالتنا
نأتى لنوحٍ فلا يرضى يُذَكِّرُنا
نأتى الخليل فلا يرضى ويذكر ما
نأتى الكليم فلا يرضى ويذكر ما
نأتى لعيسى فلا يرضى ويرشدنا
فنأته زمراً نسعى فيقبلنا

تحيَّر المرء من هولٍ بوقفته
يقول نفسى وعصيانى بجنته
إغراق قوم له وفقًا لدعوته
قد كان من قوله أختى لزوجته
قد كان من قتله نفسًا بوكزته
إلى النبىِّ فيا بُشْرَى لأمته
وينجلى كربنا من بعد سجدته

هذا غيضٌ من فيض من الإشارات القرآنية فى الإشادة بمقام خير البرية – صلى الله عليه وآله وسلم – فى البكرة والعشية.

مسألة: لماذا يحتفل المسلمون بمولد رسول الله صلى الله عليه و سلم؟

(فصل) لا زلنا نعرض سلسلة مقالات في محاولة من اسرة الموقع للاحتفال و الاحتفاء بمولده صلى الله عليه و سلم، و مدارنا اليوم أننا بعد نشر مقال سبب الاحتفال العقلي و النقلي به صلى الله عليه و سلم، أردنا أن نوضح لمسألة المشروعية و قول الشرع فيه. خاصة و أنها من الأشياء التي يتكلم بها الناس كثيرا.

و لتكون طريقة عملية تبين معنى قول شيخنا “طريقنا القرآن ثم السنة” فكل ما كان قرآنا و سنة و شرعة هو طريق شيخنا الشيخ الجعفري، تميز بأنه كان يدرس كل الآراء و المدارس الدينية على مر العصور و يخرج برأي الجمهور أو الأقرب منه أو الأحوط و بذلك تر في معاني الطريق الجعفري أن إمام الجامع الأزهر سيدي الشيخ صالح الجعفري أرجع التصوف للموروث عن السلف الصالح، و اخبرنا بأنه رضوان الله عليه ليس عنده خرافات و لا بدع، ولا القيل و لا القال.

و فيه ست نقاط:

النقطة الأولى: و فيها نبدأ بتقديم رأي سيدي فضيلة الشيخ عبد الغني صالح الجعفري:

-“ عجبا لمن يسمع هذا القول و يقول: إن الاحتفال بالمولد بدعة!! و أي بدعة يعني و قد جاء “كل بدعة ضلالة”؟!

  • و قوله: “لقد كرم الله تعالى يوم ولادة رسله، و يوم الموت، و يوم البعث مرتين، و قال حكاية على لسان عيسى – عليه السلام -: “وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا” الأية 15، سورة مريم

  • “وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا” الأية 33، سورة مريم

إذن، فليوم الولادة منزلة عند الله – تعالى – عبر عنها القرآن بالسلام من المولى عز و جل يوم ولد، و سلام الله مدد لا نحصر مداه و لا مدلوله و لا معناه.

و قوله: و قد أثبتت صحاح كتب الحديث التي روت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يلازم صوم يوم الإثنين من كل أسبوع، فسئل عن ذلك فقال: “يوم ولدت فيه، و أنزل علي فيه”

و معنى هذا أن النبي – صلى الله عليه و سلم – كان يحيي ذكرى مولده الشريف شكرا لله تعالى في كل أسبوع مرة بالصيام.

و قوله: “و قد ذكرت كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ذبح في حجة الوداع ثلاثا و ستين بدنة بعدد سني عمره الشريف”

فهذه أربع أدلة بداية من نفي كونها بدعة منكرة، و بعدها بتوضيح أهمية هذا في القرآن، ثم بدليلين يمثلان سنتين فعليتين من رسول الله صلى الله عليه و سلم. قدمهم جيمعا الشيخ عبد الغني الجعفري.

النقطة الثانية: رأي الإمام السيوطي: و لنقف على نقطة البدعة، و نبدأ بدراسة هذا الموضوع دراسة علماء السلف لها.. ثم بعد ذلك نورد بعض آراء علماء السلف في المولد الشريف و كل هذا باستفاضة رسالة للشيخ السيوطي اسمها حسن المقصد في عمل المولد.

قال الإمام النووي رحمه الله في نهذيب الأسماء و اللغات: البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، و هي منقسمة إلى: حسنة، و قبيحة.

و قال سلطان العلماء سيدي العز بن عبد السلام في القواعد: البدعة منقسمة إلى: واجبة و محرمة و مندوبة و مكروهة و مباحة.

قال: و الطريق في ذلك أن نعرض البدعة على قواعد الشرع، فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة، أو في المندوب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة.

و ذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة، إلى أن قال: و للبدع المندوبة أمثلة منها: إحداث الربط، و المدارس، و كل إحسان لم يعهد في العصر الأول، و منها: التراويح، و الكلام في دقائق التصوف، و في الجدل. و منها: جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله.

و روى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: المحدثات من الأمور ضربان :أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا، أو سنة أو أثرا، أو إجماعا، فهذه بدعة الضلالة. و الثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد و هي من المذكورات، فهذه محدثة غير مذمومة.

و قد قال عمر رضي الله عنه: “ نعمت بدعة هذه”

يعني: أنها محدثة لم تكن، و إذا كانت، ليس فيها رد لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي.

يقول الإمام السيوطي بعد عرض هذه الأدوات الشرعية من الأئمة النووي و العز بن عبد السلام و الشافعي رضوان الله عليهم و هم أئمة و شيوخ من أهم أعمدة السلف الكرام: “ لأن هذا القسم مما أحدث، و ليس فيه مخالفة لكتاب، و لا سنة، ولا أثر، ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي: “و هو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول”.

فإن إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان، فهو من البدع المندوبة كما في عبارة ابن عبد السلام.

و نحن سنشارك بكتاب الإمام السيوطي الذي رد فيه على أحد فقهاء عصره ممن ظن بالمولد الظنون، و الإمام السيوطي لمن لا يعرفه من أئمة السلف الكبار، و يشتهر في مصر هذه الأيام بتفسير الجلالين، و قد كان الشيخ السيوطي من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، حيث ملأ نشاطه العلمي في التأليف مختلف الفروع في ذلك الزمان من تفسير وحديث وفقه وتاريخ وطبقات ونحو ولغة وأدب وغيرها، فقد كان موسوعي الثقافة والاطلاع.

علينا أن نعرف قدر علمائنا القدام و نقرأ عنهم خاصة في مثل هذه الأيام.

الثالثة: و نستضيف أيضا رأي العلامة ابن حجر العسقلاني، و إمامنا ابن حجر العسقلاني و الملقب بأمير مؤمنين علم الحديث، لمن لا يعرفه، هو شارح البخاري الذي قيل فيه أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم، و قد مكث في الشرح عشرين سنة، ولما أتم التأليف عمل مأدبة ودعا إليها أهل قلعة دمشق وكان يوماً عظيماً. ويعتبر هذا الكتاب أفضل شرح وأعمّه نفعاً لصحيح البخاري، وتأتي أهمية كتاب ابن حجر من كونه شرحاً لأصح ما ورد عن رسول الله محمد من حديث وقد تضمن ذلك الشرح ذكر أحاديث أخرى وعلق ابن حجر على أسانيدها وناقشها حتى كان بحق (ديوان السنة النبوية)، وكذلك لما تضمنه من فقه وأصول ولغة ومناقشة للمذاهب والآراء في شتى المعارف الإسلامية.

يقول الإمام: “ أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، و لكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن و ضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن، و تجنب ضدها، كانت بدعة حسنة، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون, ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة.. إلى أن قال : وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم.. نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه: فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة”

الرابعة: الأصل الثاني الذي أخرجه الإمام السيوطي:

و هذا هو الأصل الذي أخرجه الإمام ابن حجر و قد ذكره الشيخ السيوطي في نفس الكتاب، و زاد أن للأمر أصلين من السنة، فالأول هو الأصل الثابت الذي أخرجه الإمام العلامة ابن حجر، و الثاني هو ما خرجه الإمام السيوطي بنفسه .. فيقول:

“قلت: و ظهر لي تخريجه على أصل آخر، و هو ما أخرجه البيهقي، عن أنس رضي الله عنه: “أن النبي صلى الله عليه و سلم عق عن نفسه بعد النبوة”

مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، و العقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه و سلم إظهارا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه، رحمة للعالمين، و تشريفا لأمته، كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده باجتماع الإخوان، و إطعام الطعام، و نحو ذلك من وجوه القربات، و إظهار المسرات. “

الخامسة: و بجوار الإمام السيوطي و ابن حجر من السلف ففتوى الإمام ابن الجوزي حين قال عن المولد النبوي: “”من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام” و موقع هذا في كتاب السيرة الحلبية، لعلي بن برهان الدين الحلبي.

كما  أن تقي الدين ابن تيمية الحراني قد أقر بعدم وجود مانع شرعي من الاحتفال بالمولد، و قال في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: “فتعظيم المولد و اتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس و يكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده و تعظيمه لرسول الله صلى الله عليه و سلم ” للأمانة العلمية نقول انه رأى الكراهة مع عدم الحرمانية في المولد متعللا بان السلف الصالح لم يعملوه و على ذلك سار احد الفقهاء الذين عاصروا الإمام السيوطي و يرد عليهم شيخنا السيوطي قائلا:

“ نفي العلم لا يلزم نفي الوجود، و قد استخرج له الحافظ أبو الفضل ابن حجر أصلا من السنة، و استخرجت أنا له أصلا ثانيا”

السادسة أننا بعد أن تكلمنا عن أراء العلماء المشتهرين في زماننا من أئمة السلف، نريد أن نذكر جملة من علماء السلف الكبار الذين أكدوا أيضا على مشروعية الاحتفال و ما أكثرهم حتى كاد يكون إجماعا، و ممن ذكرهم الشيخ السيوطي في كتابه:

الشيخ الحافظ شمس الدين الجزري، إمام القراء.

الشيخ الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي و له فيه كتاب يسمى “مورد الصاوي في مولد الهادي”

الكمال الأدفوي يقر الاحتفال به أيضا.

ابن الحاج.

و قد ذكر الشيخ محمد علوي المالكي عددا من العلماء ممن ألفوا كتبا في المولد:

  • الحافظ عبد الرحيم العراقي: توفي 808 هـ، له مولد باسم “المورد الهني في المولد السني”.

  • الحافظ ابن كثير: توفي 774 هـ، وله مولد طبع بتحقيق صلاح الدين المنجد.

  • الحافظ السخاوي: توفي 902 هـ، وله مولد باسم “الفخر العلوي في المولد النبوي”.

  • الحافظ ابن الجوزي: توفي 597 هـ، وله مولد باسم “العروس”، وقد طبع في مصر.

  • الحافظ أبو الخطاب عمر بن علي بن محمد المعروف بابن دحية الكلبي: توفي 633 هـ، وله مولد باسم “التنوير في مولد البشير النذير”.

  • شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي: توفي 842 هـ، وله مولد باسم “المورد الصاوي في مولد الهادي” وكذلك “جامع الآثار في مولد المختار” و”اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق”.

  • ملا علي قاري: توفي 1014 هـ، وله مولد باسم “المورد الروي في المولد النبوي” وهو مطبوع.

  • الحافظ شمس الدين ابن الجزري: توفي 660 هـ، إمام القراء، وله مولد باسم “عرف التعريف بالمولد الشريف”.

  • علي زين العابدين السمهودي: توفي 911 هـ، وله مولد اسمه “الموارد الهنية في مولد خير البرية”.

  • الحافظ محمد الشيباني المعروف بابن الديبع: توفي 944 هـ.

  • ابن حجر الهيتمي: توفي 974 هـ، وله مولد باسم “إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم”.

  • الخطيب الشربيني: توفي 1014 هـ، وله مولد باسم “المولد الروي في المولد النبوي”.

  • المحدث جعفر بن حسن البرزنجي: توفي 1177 هـ، وله مولد باسم “عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر”، وهو من أكثر الموالد انتشارًا في البلاد الإسلامية.