منهج الإمام

إن غاية التصوف وثمرته معرفة الحق – تبارك وتعالى – ولا تتحقق المعرفة بغير العلم، وإذا كان التصوف يسمى طريقاً فإن السالك فيه لا يستطيع أن يصل إلى غايته ، ولا يأمن من الضلال فى دروبه ومسالكه بغير دليل ومرشد ، وبغير الأنوار التى تبدد الظلمات من أمامه، وتلك السبل كلها يتوصل إليها بالعلم .

وإذا كان العلم – كاصطلاح – هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل ، فإنه عند أهل التصوف : النور الذى يخرجهم من ظلمات المعاصى ، ويحررهم من أغلال المادة ، فهو سفينتهم التى يجتازون بها بحار المعرفة ، حتى يصلوا إلى شاطئ الحقيقة.

والإمام الجعفرى –رضى الله تعالى عنه- قد ارتاد رياض العلم مذ كان صبياً يلهو أقرانه ويلعبون، فقد نشأ –رضى الله تعالى عنه- فى بيئة علم ودين ، ولما كان التصوف هو طريقه ومنهج حياته نظر الإمام الجعفرى إلى طلب العلم نظرة صوفية خالصة؛ فقد طلبه فى صغره ليكون وسيلته وطريقته إلى حضرة ربه ومولاه، واتخذه زاداً ليعينه على استواء غرس شريعته، لتطيب ثمار حقيقته ، فالعلم عند القوم عبادة ومنهج وسلوك.

ومن الثابت لدى علماء التصوف أن التصوف – علماً وطريقة – له ركنان : الشريعة ، والحقيقة ، وهما متلازمان تلازم الروح للجسد ، لا تتحقق الحياة إلا بهما معاً، ومرتبطان ارتباط الظل بأصله، لا يتصور وجود أحدهما بغير وجود الآخر ، فلا يعقل أن يدعى أحد الحقيقة بدون أن يعلم ويفقه أسرار الشريعة ، وأيضاً فإن من يظن أنه ليس فى حاجة إلى علوم الحقيقة ما دام قد تفقه وتشرع فإن وقوفه عند حد الشريعة وحدها يحرمه من جنى ثمارها، ويكون كمن سار فى طريق ليس له نهاية أو أطلق سهماً من كنانته لم يحدد له غاية، وقد أشار الإمام الجعفرى –رضى الله تعالى عنه- إلى ذلك بقوله: ” بحر شريعتك لولاه ما كانت حقيقتك، وبحر حقيقتك لولاه ما تمت شريعتك ، قال أبو عبد الله الإمام مالك بن انس – رضى الله تعالى عنه- : من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق”.

وليس الناس فى طلب العلم سواء ، فمنهم من يطلب العلم لغرض أو نفع دنيوى، ومنهم من يطلبه ابتغاء مرضاة الله تعالى، وقصداً لنفع المسلمين وتعليمهم مع العمل بمقتضى العلم ، وانتفاع العالم به فى نفسه قبل تعليمه لغيره، وذلك الصنف من العلماء ينال رضا المولى – تبارك وتعالى- ويفيض العلم اللدنى على قلبه ، قال – تعالى- : ( وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) ، وقال رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- : ” من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم “.

وقد استنبط الإمام الجعفرى –رضى الله تعالى عنه- من الآية والحديث هذه الفائدة :

والعلم علمان: كسبى ، ووراثى ؛ فالكسبى يؤخذ من صدور الرجال كما قال لى سيدى عبد العالى –رضى الله تعالى عنه- قبل مجيئ إلى الأزهر  ” العلم يؤخذ من صدور الرجال لا من الكتب” ، والوهبى : هو ما يفيض على قلب العالم العارف وهو درجات ، وبحسب الدرجات تتنزل الفيوضات .

ولقد هيأ الله –تعالى- لشيخنا الإمام الجعفرى –رضى الله تعالى عنه- شيوخاً علماء عارفين عاملين ، لزمهم الشيخ واقتدى بهم فى أحوالهم وأفعالهم، واستفاد من علومهم ومعارفهم، وسار فى طريق العلم حتى وصل إلى درجة التأليف والتحقيق ، والتدريس والإفتاء ، فظهرت للناس أنوار العلم بنوعيه : الكسبى والوهبى ، متمثلة للناس فى دروسه العامرة ، ومؤلفاته المكسوة بالجلال ، المتوجة بالجلال؛ لكونها صادرة عن  عالم عامل، وولى عارف، ومن أبرز معالم مدرسة الجعفرى العلمية : تمكنه من مختلف العلوم ، وتبحره فى سائر الفنون، فلم يقف عند علم دون آخر، ولكنه طوف فى رياض العلوم العربية والإسلامية ، وسار يقطف من أزاهيرها، ويجتنى من ثمارها.

Copyright © 2012 · موقع الشيخ الجعفري ·حقوق النشر محفوظة · Posts · Comments