كلمة الدكتور أسامة الأزهرى فى مولد الإمامين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، اصطفى من عباده صفوة فاصطفاهم وصافاهم، وقربهم وأدناهم، جعلهم عيون الخليقة، وورثة الحقيقة، اصطفاهم الله  – تعالى – لمعرفته، واختارهم لمحبته، وجذب قلوب عباده إليهم، وأجرى على قلوبهم وألسنتهم ينابيع الحكمة، ومعادن الرحمة، أيدهم الله – تعالى – بالفهوم العلوية واللطائف النبوية المحمدية، شيَّد الله – تعالى – بهم أركان الدين، وسدَّد الله بهم بناء اليقين، وجعلهم الله ورثة النبوة، وأهل الحكمة والمعرفة والصلاح والفتوة، فرضى الله عنهم وأرضاهم وحياهم الله وبيَّاهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه ووتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

فإن الأزهر الشريف ما كان أبداً جدراناً وأبنية، وما كان الأزهر الشريف أبداً منارات ومآذن، وما كان الأزهر الشريف أبداً أروقة وطلاباً وأشياخاً، وما كان الأزهر الشريف حلق علم ولا مجالس فهم؛ إنما كان الأزهر الشريف فى الحقيقة رجالاً ورثوا ينابيع الحكمة، ونهضوا بأعباء الدين، وتحققوا بمعنى اليقين، وفاضت قلوبهم بأنوار الدين والهدى، ما كان الأزهر الشريف جدراناً، ولا حجرات، ولا أروقة، ولا أبينة،  إنما كان فى الحقيقة ورثة نبوة، وأئمة هدى وأصحاب يقين، إنما كان رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.

الأزهر الشريف علومٌ وأنوارٌ ومعرفةٌ وربانيةٌ وصلاحٌ وهدىٌ ورحمةٌ مبسوطةٌ بين الخلائق، الأزهر الشريف لم يزل رجالاً من وراء رجال، وأئمة من بعد أئمة إلى أن صبت ينابيع أنوارهم وتجسدت فى إمام الهدى وشيخ الطريقة وعلم الأزهر ورائد المنبر الإمام الجليل الحجة الأزهرى سيدى الشيخ صالج الجعفرى – رضى الله تعالى عنه وأرضاه -، كان الإمام الجليل ولى الله – تعالى – على التحقيق،  إمام علم،  وارث نبوة،  موصولاً بالغيب الشريف،  صاحب توجه وربانية وسجود وخلوة وتربية وتوجيه،  كان رضى الله تعالى عنه سلالة الأكابر وذرية الصالحين، ورث مقام الجليل سيدى أحمد بن إدريس وتحقق بمعارفه، وانطوى فى أنواره فنهض بأعباء العلم فى الأزهر الشريف عقوداً من وراء عقود، ولله در رواق المغاربة إذ شهد من سيدنا الشيخ صالح الجعفرى – رضوان الله عليه – سنوات طوالاً، وهو يشهد خلوته فى جوف الليل،  فلله تلك الساعات المنورات التى كان ينازل فيها قلبه الشريف من حضرة القدس كئوس هدى تفيض على فؤاده نجوى وتبتلا وضراعة، ولقد استحضرت شيخ الإسلام الإمام الجليل تقى الدين السبكى – رحمه الله – إذ كان يخرج فى جوف الليل إلى صحن دار الحديث الأشرفية يتلمس البقعة التى كان يجلس فيها الإمام النووى، وقد أنشد فى ذلك بيتين:

وفى دارِ الحديث لطيفُ معنى

على بُسُطٍ لها أصبوا وآوى

لَعَلِّى أنْ أَمَسَّ بِحُرِّ وَجهى

تُراباً مَسَّهُ نَعْلُ النَّوَاوى

فلما أن عكف سيدنا الشيخ صالح الجعفرى فى رواق المغاربة سنين، وأقام فيه لا يفارقه،  منه ينطلق وإليه يعود، تمثلت صنيع شيخ الإسلام التقى السبكى، فتعلق القلب برواق المغاربة لما صب من حضرة القدس فى ساعات خلوة الإمام الجفعرى وتبتله، فأنشدت فى رواق المغاربة كما أنشد الإمام السبكى فى دار الحديث الأشرفية، فأنشدت قائلاً:

وفى ذاك الرواق لطيف معنى

 يجاذبنى بِطِيبٍ عَنْبَرِىِّ

لَعَلِّى أنْ أَمَسَّ بِحُرِّ وَجْهِى

تُرَاباً مِنْ نِعَالِ الْجَعْفَرِىِّ

نعم

سيدى الشيخ صالح الجعفرى – رضى الله عنه – هو الأزهر على الحقيقة، هو معدن الازهر وحقيقته ، هو الأزهر كما ورثه أئمة الهدى جيلاً من وراء جيل، يذكر مشايخنا أنهم حضروا مرة مجلساً لسيدنا الشيخ صالح الجعفرى فدخل رجل فسأل الشيخ عن مسألة من مسائل الفقه فأجابه سيدنا الشيخ فى مسألة وأفتاه ، فلما انصرف السائل مسح سيدنا الشيخ بيده على جبهته،  ثم قال لمن حوله:  الحمد لله أن حفظ علينا العلم منذ أربعين سنة ما سألنى أحد فى هذه المسألة.

كان سيدنا -رضى الله عنه – واجهة أزهرية ورثت علوم الأزهر الشريف وحاله ومقاله وربانيته وصدقه وأنواره،  كم مر على الأزهر الشريف من إمام هدى ومن وراث نبوة،  وكم سجد فى رحاب الجامع الأزهر الشريف من بحر علم وولى مقرب، كم ضجت أركان الجامع الأزهر بورثة النبوة من الركع السجود فى رحابه وفى ساحاته وفى أروقته، حتى كأن جدران الأزهر الشريف قد عجنت بماء المحبة ولقد تشرف وصغت قصيدة على لسان الجامع الأزهر كأنه الجامع الأزهر لاشريف قد نطق بلسان صفيح وتحدث عن ائمة الهدى لاذين نزلوا فى رحابه فاسمعوا ماذا قال الأزهر الشريف:

يقول الأزهر:

عبر القرون وطيلة الازمان

عين العناية والهدى ترعانى

وعلى مدى الأعصار يعلو فى الورى

بعناية المولى العظيم مكانى

وبفضل ربى لاح فضلى فى الورى

فالعلم رمزى والهدى عنوانى

انا فى علوم الشرع نجم مزهر

سطعت بشائره على الأزمان

أنا شمس تحقيق المعارف والهدى

ربى تعالى للورى أهدانى

ما فى من مقدار موضع ذرة

إلا ارتوت بمحبة الرحمن

ألفاً من الاعوام والقرآن فى صحنى يرتل

فاستنار جنانى

ولكم شرف بأن تلو فى ساحتى سنن الشفيع فأورقت أفنانى

ولكم شهدت الساجدين لربهم فى ساحتى من كل ذى وجدان

حتى كأن منابرى ومنائرى بنيت بأهل الفضل والإحسان

على هذا مضى سيدنا الإمام العلم العلامة الفقيه الولى الصالح سيدى الشيخ صالح – رضى الله تعالى عنه – ولقد كان – رضى الله عنه – فى زمان شهد كوكبة من أئمة الهدى من علماء الأزهر، فعن ميمنته كان رائد العشيرة المحمدية سيدى الشيخ محمد زكى الدين إبراهيم الولى الصالح،  وفى زمانه كان الإمام الأكبر شيخ الإسلام سيدى الشيخ عبد الحليم محمود الولى الصالح، وفى زمانه كان عمدة المفسرين سيدى الشعراوى الولى الصالح، هؤلاء رجال الأزهر الشريف على الحقيقة وهذه علوم الأزهر ولقد قال الحافظ السيوطى رحمه الله فى كتاب تأييد الحقيقة العلية: إن من فروض الكفاية على الأمة أن تستبقى رجالاً إذا دعوا استجيب لدعوتهم حتى يبقى الناس على اتصال بالغيب يشهدون القرب حتى تبقى بين  الناس عيون فى الخليقة إذا ضاقت الأمور بالخلق وأنزلوا بأؤلئك الأئمة حوائجهم وتوجهوا إلى الله تعالى فيها قضيت.

يا عباد الله

فى هذا اليوم وفى هذه الليلة الغراء وفى هذا المجمع الكريم احتفاءا ووفاء وانتماءا لسيدنا الشيخ صالج الجعفرى أحب أن أخبركم أنه هكذا كان الأزهر الشريف، وهكذا يبقى ولا يزال الأزهر على مثل ما كان عليه مثل سيدنا الشيخ إلى أن يرث االله الأرض ومن عليها.

ولا يزال يتردد فى خواطرنا قول الشاعر:

وهم فاخرونى بالذى عزَّ عندهم

من العرض الفانى وذو الجهل يمترى

فقلت لهم فخرى بأنى مسلم ..  وأنى صوفىٌ وأنى أزهرى

هكذا ورثنا أئمة الهدى أمانة الدين، وهكذا تسلسلت إمام هدى من وراء إمام هدى، وهكذا تبقى إلى يوم الدين إن شاء الله ، ولقد مضى سيدى الشيخ صالح الجعفرى، ثم مضى من بعده ولده سيدى الشيخ عبد الغنى – رضى الله عنه – فرحمة الله تعالى وبركاته وونفحاته ورضوانه على الشيخين الجليلين كوكبى الهدى وشمسى الندى، رحمات الله ونفحاته وبركاته على تلك الذوات الطاهرة، وعلى تلك الشخوص المنورة، رحمهم الله بواسع رحمته، وألحقنا الله بهم على الهدى، ورزقنا الله كمال المحبة لهم وكمال الاقتفاء لأثرهم، وألحقنا الله تعالى وإياكم بهم مع كمال العافية،  وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .