Home » مقالات » خواطر قرآنية فى خصائص خير البرية

خواطر قرآنية فى خصائص خير البرية

أحمده ربي وأستغفره، وبعد، فإن من يتصفح آيات القرآن الكريم يجده زاخرًا بالإشارات التى تبرز مقام سيد ولد عدنان – عليه أفضل الصلاة وأتم السلام – ما اختلف الملوان وتعاقب الجديدان، ويتجلى ذلك واضحًا لكل من جال بخواطره وأعمل فكره ووجه قلبه وساح بروحه فى معارج العرفان وأطوار معانى التبيان ورقائق دقائق حقائق الفرقان، فعلى سبيل المثال: إذا نظرنا إلى صدر فاتحة الكتاب العزيز مستلهمين عبر آياتها، متلمسين دروس مواد كلماتها وجدنا الإشارة تشيد بذلك المقام المحمدىّ العالى، وتنوه بالجناب المحمدىّ الغالى، إشادة برتبته السامية، وتنويهًا بدرحته العالية، فمثلا قوله – تعالى – : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة:2): إذا كان الحمد خاصًّا لله – تعالى – فقد منح نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – منه منحة عظيمة ووهبه من الحمد هبة جسيمة؛ حيث اشتق له من مادة الحمد اسمين من أسمائه – صلى الله عليه وآله وسلم – هما (محمد وأحمد) وفى هذا دلالة واضحة على مدى اعتناء الحق – تعالى – به – صلى الله عليه وآله وسلم –وإذا كان الحق هو المحمود بجميع المحامد فقد سمى نبيه محمدًا اشتقاقًا من (الحمد)، وقد أشار سيدنا حسان بن ثابت – رضى الله تعالى عنه – إلى ذلك حين قال يمدح النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – :

أغَرٌّ عليه للنبوةِ خاتمٌ
وضمَّ الإله اسمَ النَّبىِّ إلى اسمهِ
وشقَّ له مِنْ إسمهِ ليجله

من الله ميمونٌ يلوحُ ويشهدُ
إذا قال فى الخمسِ المؤذنُ أشهدُ
فذو العرشِ محمودٌ . وهذا مُحَمَّدُ

وإذا انتقلنا إلى قوله – تعالى – : (رَبِّ العَالَمينَ) نذكر قوله – عزَّ وجلَّ – لنبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107)، فإذا كان الله – تعالى – هو رب العالمين جميعًا فقد جعل للعالمين بابًا يرحمهم به هو نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – وقد طبعه الله – تعالى – على هذه الرحمة التى تجلت فى سائر أحواله مع سائر الكائنات، وقد قال – صلى الله عليه وآله وسلم – : ( إنما بُعِثْتُ رحمة).

وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى قوله – تعالى – : (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة:3) رأينا كيف خلع – سبحانه – اسم الرحمة الذى هو من أخَصِّ أسمائه وأوصافه على نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – وسماه به وعطف على اسم الرؤوف وذلك فى قوله – تعالى – : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128).

وإذا انتقلنا إلى قوله – تعالى – : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة:4) وهو ما وصف به نفسه وأبرزه أيما إبراز فى سورة غافر حيث قال – تعالى – : (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ . الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (غافر:16-17) إذا قرأنا ذلك تذكرنا منحة الله – تعالى – لنبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – للخلائق أجمعين فى هذا اليوم العصيب، يوم تدنو الشمس من الرؤوس ويغرق الناس فى عرقهم حتى يلجم العرق كثيراً منهم، فى هذا اليوم نتذكر منحة الله – تعالى – لنبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – من الحوض المورود واللواء المعقود والمقام المحمود، وهو المشار إليه فى قوله – تعالى – : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الاسراء:79)، وهو ما بينه – صلى الله عليه وآله وسلم فى كثير من الأحاديث والتى من أشهرها قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علىَّ؛ فإنه من صلى علىَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله عز وجل لى الوسيلة فإنها منزلة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لى الوسيلة حلَّت له الشفاعة).

ومن الأحاديث التى تبرز مقامه العالى وشفاعته العظمى يوم الدين ما جاء فى حديثه المطول والذى فيه أن الناس يأتون إلى آدم فمن دونه إلى عيسى عليهم السلام جميعًا طالبين منهم الشفاعة والكل يعتذر ويقول: نفسى . نفسى، اذهبوا إلى غيرى، ويذكر ذنبًا ما خلا عيسى – عليه السلام – وهو يعتذر أيضًا ويرشد إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – صاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود والذى يقول: أنا لها . أنا لها، فيأتى العرش فيسجد تحته ويفتح الله – تعالى – له بمحامد لم تفتح لأحد غيره، فيسمع النداء من رب الأرض والسماء صاحب الفصل فى القضاء: (يا محمد ارفع رأسك وسل تُعْطَ واشفع تُشَفَّعْ) فينجلى الكرب عن الخلائق كما يظهر مقامه – صلى الله عليه وآله وسلم – عند ربه – تعالى – ومدى اختصاصه فى ذلك اليوم، وقد صوَّر شيخنا الإمام الجعفرى – رضى الله عنه هذا المشهد المهيب فى ديوانه العامر مادحًا جده المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – وهو يقول:

هذا الشفيعُ لفصلٍ فى القضاء إذا
نأتى لآدم لا يقبل مقالتنا
نأتى لنوحٍ فلا يرضى يُذَكِّرُنا
نأتى الخليل فلا يرضى ويذكر ما
نأتى الكليم فلا يرضى ويذكر ما
نأتى لعيسى فلا يرضى ويرشدنا
فنأته زمراً نسعى فيقبلنا

تحيَّر المرء من هولٍ بوقفته
يقول نفسى وعصيانى بجنته
إغراق قوم له وفقًا لدعوته
قد كان من قوله أختى لزوجته
قد كان من قتله نفسًا بوكزته
إلى النبىِّ فيا بُشْرَى لأمته
وينجلى كربنا من بعد سجدته

هذا غيضٌ من فيض من الإشارات القرآنية فى الإشادة بمقام خير البرية – صلى الله عليه وآله وسلم – فى البكرة والعشية.

comment closed

Copyright © 2012 · موقع الشيخ الجعفري ·حقوق النشر محفوظة · Posts · Comments