السيدة زينب رضى الله عنها

ttt

هى السيدة الطاهرة زينب بنت فاطمة البتول ، سيدة نساء العالمين ، بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحبيبة قلبه وفؤاده.

أبوها الإمام على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه.

جدتها: السيدة خديجة بنت خويلد سيدة نساء العالمين.

أخواها الشقيقان: الإمام أبو محمد الحسن ، والإمام أبو عبد الله الحسين رضى الله تعالى عنهما.

ولدت بعد مولد شقيقها سيدنا ومولانا الإمام الحسين بسنتين فى شهر شعبان من السنة الخامسة لهجرة المصطفى –صلى الله عليه وآله وسلم- ، درجت فى بيت النبوة وتنعمت فيه بعطف جدها العظيم –صلى الله عليه وآله وسلم- ورعاية أبويها الكريمين ، وسماها جدها باسم خالتها السيدة زينب الكبرى رضى الله تعالى عنها.

اشتهرت السيدة زينب بجمال الخلقة والخلق اشتهارها بالإقدام والشجاعة، وبالكرم وحسن المشورة ، والعلاقة الطيبة القوية بالله، وكثيراً ما كان يرجع إليها أبوها وإخوتها فى الرأى ويأخذون بمشورتها لبعد نظرها وقوة إدراكها.

زواجها: تزوجت من ابن عمها سيدنا عبد الله بن جعفر الطيار رضى الله تعالى عنه ، وكان يشتهر بالكرم وحب المساكين .

ولقد كانت السيدة الطاهرة قوامة صوامة قانتة لله نائبة إليه، تقضى أكثر لياليها متعبدة متهجدة تالية للقرآن الكريم ، لم تترك ذلك حتى فى أشد الليالى كرباً وهى ليالى كربلاء.

شاركت أخويها – الحسن والحسين – فى جميع ميادين الجهاد ، وأخرجت من المدينة المنورة فى عهد الدولة الأموية إلى مصر.

ولقد كانت السيدة العقيلة عاقلة لبيبة جزلة كريمة ، وكانت فى البلاغة والشجاعة شبيهة بأبيها الإمام على كرِّم الله وجهه وأمها الزهراء رضى الله تعالى عنها .

حملت تدبير أمور أهل البيت بعد استشهاد أخيها سيدنا أبى عبد الله الحسين ، فهى من أجلِّ أهل البيت حسباً وأعلاهم نسباً، وأكثرهم شرفاً وصيتاً.

اختارت السيدة زينب رضى الله تعالى عنها مصراً لتسكنها لما عرفت من حب أهلها وواليها لأهل البيت ، فدخلتها فى أوائل شعبان سنة 61 هجرية، ومعها فاطمة النبوية وسكينة وعلى أبناء شقيقها الإمام الحسين رضى الله تعالى عنهم جميعاً، واستقبلها أهل مصر فى بلبيس واحتملها والى مصر مسلمة بن مخلد الأنصارى إلى داره بالحمراء القصوى عند بساتين الزهرى ( حى السيدة الآن ).

كانت هذه المنطقة تسمى ( قنطرة السباع ) نسبة إلى القنطرة التى كانت على الخليج المصرى وقتئذٍ، فأقامت بهذه الدار أقل من عام عابدة زاهدة تفقه الناس، وتفيض عليهم من أنوار النبوة وشرائف المعرفة والبركات والإمدادات.

وكانت دارها مأوى لكل ضعيف ومحتاج فلقبت بـ ( أم العواجز ) ولما جاءت إلى مصر بعد محنة كربلاء القاسية كان الوالى ورجاله يعقدون جلساتهم بدارها وتحت رئاستها فسميت بـ ( رئيسة الديوان) وتنادى بـ ( عقيلة بنى هاشم ) ومعنى عقيلة : هى السيدة الكريمة العزيزة فى بيتها والكريمة فى قومها.

قال شيخنا الإمام الجعفرى رضى الله عنه:

أزينب أنت فى الدنيا كشمس          لها نور يضئ ولا يغيب

ومن جاء المقام إليك يشفى          بإذن الله أنت له الطبيب

فمن بركات جدك كنت ذخراً            وقلب الزائرين هنا يطيب

ومن وصل المقام رآك أهلاً              أباً أماً وعطفك ذا عجيب

بجاه المصطفى خير البرايا            يجئ الخير والفتح القريب

سألت الله يمنحنى بعفــوٍ            فيا نعم الإله هو المجيب

ويقول رضى الله عنه فى قصيدة أخرى بديوانه العامر:

بزينب قد رضيت وجئت أسعى            أزور مقامها والله يشهد

لها شرف ونور لا يضاهــــــــى             وإيمان وتوحيد وسؤدد

إذا ما الفخر بالآباء قالــــــــــوا              فجدك بهجة الدنيا محمد

وأحييتم ظلام الليل شكــــرا               ومنكم قائم وبه تهجـد

وكان انتقالها إلى الرفيق الأعلى مساء الأحد الخامس عشر من رجب سنة اثنتين وستين للهجرة المباركة ، حيث دفنت بمخدعها وحجرتها من دار مسلمة التى أهداها إليها ، وتلك الدار أصبح بها قبتها بمسجدها المعروف بحى السيدة زينب بالقاهرة.

شرف الجوار

ثم كان بجوارها فى هذا المقام العامر بعد ذلك مقامان لاثنين من العارفين:

الأول : هو الشيخ عتريس المدفون بجوار المسجد الزينبى فى الطرف الشمالى الغربى ، ونسبه : محمد بن أبى المجد عبد العزيز بن قريش ، شقيق سيدى إبراهيم الدسوقى المتوفى فى النصف الثانى من القرن السابع ، وقد أوصى بأن يدفن فى هذا المكان حيث كان يقيم مجالس العبادة والدعوة فى كنف الحرم الزينبى أكثر حياته، ( والعتريس هو القوى الشديد ).

الثانى : الشيخ العيدروس المدفون بجوار العتريس ونسبه : الشيخ وجيه الدين المكنى بأبى المراحم عبد الرحمن الحسينى من حضرموت، وقد استقر بمصر بعد حياة طويلة مشحونة بالكفاح والدعوة والسياحة، وجعل مجلس عبادته وإرشاداته فى جوار ضريح الشيخ عتريس ، وعندما حضرته الوفاة سنة 1192 أوصى بأن يدفن حيث هو الآن

بجوار العتريس وفى رحاب السيدة الطاهرة رضى الله تعالى عنها.

السادة الوفائية رضى الله عنهم

السادة-الوفائية-300x224

بسفح المقطم بالقرب من ضريح سيدى أحمد ابن عطاء الله السكندرى يوجد السادة الوفائية، ونذكر هنا أشهر من دفن بالأضرحة الملحقة بالمسجد :

1- سيدى محمد وفا رأس الوفائية ووالدهم بمصر:

هو : أبو الأنوار محمد بن محمد الأوسط بن محمد نجم ينتهى نسبه إلى الحسن المثنى بن الحسن السبط بن سيدنا على بن أبى طالب رضى الله عنه.

ولد بمدينة الإسكندرية سنة 702 هجرية، ونشأ تقياً ورعاً محباً للعلم ، سلك طريق سيدى الأستاذ أبى الحسن الشاذلى رضى الله تعالى عنه على يد الإمام داود بن باخلا، واجتمع بياقوت العرشى ، وهو أول من عرف باسم ( وفا ) وتجمع المراجع التاريخية على أنه سمى وفا لأن النيل توقف فلم يزد إلى أوان الوفا، فدعا السيد محمد ربه فوفا النيل فلقبوه ب ( وفا ) .

وهو من أكابر العارفين ، وله مؤلفات أكثرها ما زال مخطوطاً فى المكتبة الأزهرية وفى دار الكتب المصرية.

ومن أهم كتبه : نفائس العرفان من أنفاس الرحمن، وكتاب مناهل الصفا، وكتاب الأزل، وكتاب المقامات السنية المخصوص بها السادة الصوفية، وله ديوان شعر عظيم.

توجه سيدى محمد وفا إلى إخميم بصعيد مصر فتزوج بها وأنشأ بها زاوية كبيرة ووفد الناس عليه أفواجاً، ثم سار إلى مصر وأقام بالروضة عا كفاً على العبادة مشتغلاً بذكر الله تعالى وطار حديثه إلى الآفاق.

توفى رضى الله تعالى عنه بالقاهرة سنة 765 هجرية ، فهو رأس الوفائية وأول من دفن بهذا المكان الذى هو مسجد السادة الوفائية.

2- سيدى على وفا:

هو العالم العارف سيدى على وفا بن سيدى محمد وفا، ولد بالقاهرة سنة 759 هجرية، ولما توفى سيدى محمد وفا ترك ولده محمد وفا وأخاه أحمد صغيرين فى كفالة وصيهما تلميذه الشيخ الزيلعى، ولما بلغ سيدى على من العمر سبعة عشر عاماً جلس مكان أبيه فى زاويته فشاع ذكره فى البلاد وكثر أتباعه ومريدوه ، وقد كان رضى الله تعالى عنه فى غاية البهاء والجمال، له نظم وموشحات رقيقة فى أسرار أهل الطريقة، من مؤلفاته : الوصايا، والباعث على الخلاص فى أحوال الخواص، والكوثر المترع من الأبحر الأربع فى الفقه، وله المسامع الربانية ، فى التصوف، ومفاتيح الخزائن العلية.

هو أول من تولى السجادة الوفائية ، وتوفى بمنزله فى الروضة يوم الثلاثاء الثانى من ذى الحجة سنة 807 هجرية وجنازته ضمت خلقاً كثيراً لم تر القاهرة مثلها، ودفن مع والده السيد محمد وفا.

قال شيخنا الإمام الجعفرى فى درس الجمعة أن سيدى على وفا – رضى الله تعالى عنه – كان من أرباب الأحوال والمقاصد والأنوار والمكاشفات ، وهو الذى قال:

لو أبصر الشيطان طلعة نوره فى وجه آدم كان أول من سجد

قال هذا الكلام بعد إنزاله فى قبره فكانت تلك كرامة له ، وما دامت الكرامة من الله تعالى فلا يستبعد شئ على قدرته تعالى .فقد شهد الشيخ على وفا المقام المحمدى عند دخوله القبر فأنشد قائلاً:

سكن الفؤاد فعش هنيئاً يا جسـد    :::   هذا النـعيم هو المقيم إلى الأبد

أمسيت فى كنف الحبيب ومن يكن   :::  جار الحبيب فعيشه العيش الرغد

عش فى أمان الله تحت لوائــه      :::  لا ظلم فى هذا المقــام ولا نكد

لو أبصر الشيطان طلعة نـــوره    :::  فى وجه آدم كـان أول من سجد

لو أبصر النمروذ نور جمـــاله    :::  عبد الجليل مع الخليل وما عند

ويعقب مولانا الإمام الجعفرى على هذه الكرامة فيقول: الله تعالى قد أكرم كثيراً من خلقه ، فإذا أردت كرامة مثلهم فعرض نفسك للنفحات ولا تتكبر ، واحفظ قلبك وروحك وبصرك وهيئ نفسك فى أى ساعة تلق المدد السريع، وسيدى على وفا شيخ سيدى على الخواص الذى هو شيخ سيدى عبد الوهاب الشعرانى.

الحافظ تقي الدين ابن دقيق العيد القشيري المصرى

BOOK49d4a5cdea171

نبذة عامة:

الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد القشيري المصري، كان عالما موسوعيا برع في علوم الدين المختلفة من حديث و فقه و قرآن و أصول، و كان مع ذلك أديبا بارعا، و قطبا صوفيا، و قد زاد على ذلك حسن خلقه و سيرته بين الناس مم جعل علماء المسلمين قاطبة تعترف أنه انتهت إليه رياسة العلم في زمانه كما قال ذلك ابن كثير في مصنفه البداية و النهاية، تتوج به القرن السابع الهجري ليكون منارة من منارات الإسلام المشرقة على مر العصور.

اسمه:

الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد القشيري المصري، و اسمه بالكامل مجد الدين أبو الحسن على بن وهب بن مطيع بن أبى الطاعة بن يهزر بن حكيم بن معاوية بن حيده القشيرى بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، وقبيلة قشير تشتهر بالعلم والأدب وينسب إليها كثير من العلماء محدثين وأدباء وشعراء.

مولده ووفاته:

ولد يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة 625 هـ ، بساحل مدينة ينبع من أرض الحجاز، و توفي يوم الجمعة حادي عشر شهر صفر سنة إثنين و سبعمائة 702 هـ، و هو العام الذي توفي فيه الشيخ ابن عطاء الله السكندري أيضا. و بذلك يكون عمر الشيخ عند انتقاله سبع و سبعين عاما.
بعد مولده أخذ والده على يده، و طاف به و دعا له أن يجعله الله عالما عاملا.
و كان والده الشيخ الفقيه الإمام العالم الورع الزاهد مجد الدين أبي الحسن علي بن أبي العطايا و هب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري و أمه هي بنت الشيخ المترج فاصلاه كريما.

علمه و تصوفه:

كان الشيخ تقي الدين راويا لفنون الجاهلية و علوم الإسلام معا، كما كان بارعا في العلوم الشرعية، ففي علم التفسير و الحديث و الفقه و الأصول.
تميز مع ذلك في الفنون الأدبية، و المعارف الصوفية، وكان بشكل خاص يجيد استباط المسائل، و يفتي على المذهب الشافعي.
كان خطيبا بليغا، مشهورا ببلاغته و فصحاته.
كان محققا و مدققا و هي وظيفة لا يطيقها أهل زمانه.
كما أنه كان من أهل الاجتهاد.
كان يسهر في طلب العلم، و لم تلهه المناصب و المراتب التي حازها عنه، بل كان محبا لتحصيل العلم حتى قالوا ما رأى الناس مثله، و في ذلك قيل فيه:

و تبدى له الدنيا من الحسن جملة :. يهيم بها النساك لو شاهدوا البعضا
فيعرض عنها لاهيا عن جمالها :. و يوسعها بعدا و يرفضها رفضا
و يسهر في ذكر و فكر و في علا :. و من بات صبَّا بالعلا جانب الغمضا

ما قال عنه العلماء:

حكى الفقيه أحمد الأسفوني شيئا عن اجتهاد الشيخ تقي الدين، للعلامة الشيخ علاء الدين علي بن اسماعيل القونوي، فقال: “والله ما هو ببعيد”
ترجمه الإمام فتح الدين محمد اليغمري، و قال: “لم أر مثله فيمن رأيت”
و في أدبه قال محمود الكاتب، وهو المحمود في مذاهب الأدب: “ لم تر عيني آدب منه” و كان محمود الكاتب إذا أنشأ لم يسبقه أحد في المشرق و المغرب.

طلبه العلم:

سمع بمصر و الشام و الحجاز.
ابتدأ بحفظ كتاب الله.
سمع الحديث من والده، و من الشيخ بهاء الدين أبي الحسن بن هبة الله بن سلامة الشافعي، و الحافظ عبد العظيم المنذري، و أبي الحسن محمد بن الأنجب أبي عبدالله بن عبدا لرحمن الصوفي البغدادي البغال، و الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن أحمد بن محمد التميمي البكري، و أبي العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي، و أبي الحسن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن الدمشقي، و أبي الحسن بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، و قاضي القضاة أبي الفضل يحيى بن قاضي القضاة أبي المعالي محمد بن علي بن محمد القرشي، و أبي المعالي احمد بن عبد السلام بن المطهر،و أبي الحسن عبد اللطيف بن إسماعيل، و الحافظ أبي الحسن يحيى العطار، و النجيب أبي الفرج و أخيه العز الحرانيين، و آخرين.

و سمع منه مع قلة تحديثه:

قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أبي القاسم بن عبد السلام ابن جميل التونسي، و قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد بن عدلان، و الشيخ أثير الدين محمد بن يوسف الغرناطي، و الشيخ فخر الدين عثمان المعروف بابن بنت أبي سعيد، و الشيخ تاج الدين محمد بن الدشناوي، و الشيخ فتح الدين محمد بن محمد اليعمري، و شرف الدين محمد بن القاسح الأخميمي، و الشيخ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبي، و أخرين.

و أما الفقه فقد اشتغل الشيخ على مذهب الإمامين مالك و الشافعي على والده، و اشتغل أيضا بمذهب الشافعي على تلميذ والده الشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي، أولا و كان يقول البهاء معلمي.

ثم رحل إلى القاهرة فقرأ على شيخ الإسلام و سلطان العلماء و بائع الملوك و العز سيدي الشيخ أبي محمد ابن عبد السلام. جمعنا الله بهم جميعا مع شيخنا الزاهد العالم الورع سيدي الشيخ صالح الجعفري و ذريته أجمعين الذين قدمونا لهؤلاء المشايخ العظماء.

أما الأصول فقد قرأها على والده، و على القاضي شمس الدين محمود الأصبهاني لما كان حاكما بقوص.

أما العربية فقد قرآها على الشيخ شرف الدين محمد بن أبي الفضل المرسي و غيره.

تصانيفه و كتبه:

الإلمام الجامع.
اقتناص السوانح.
له املاء على مقدمة كتاب عبد الحق.
شرح مقدمة المطرزي في أصول الفقه.
له تصنيف في أصول الدين.
شرح التبريزي في الفقه.
الاقتراح في معرفة الاصطلاح، و هو كتابه في علوم الحديث.
و له خطب و تعاليق كثيرة.

كرمه و جوده:

اشتهر الشيخ تقي الدين ابن دقيق بكرمه فيخبرنا الشيخ الأدفوي أن شيخه العلامة علاء الدين القونوي أخبره أنه كان يعطيه في كثير من الأوقات الدراهم و الذهب، و في ترجمته للشيخ تقي الدين ابن دقيق جاءت حكايات أخرى عن كرمه عن الشيخ محمد بن عقيل البالسي، و الشيخ محمد بن الحواسيبي القوي من أصحابه، و الشيخين العالمين شمس الدين محمد بن عدلان و شمس الدين محمد بن القماح.

 

الحافظ أحمد بن الإمام عطاء الله السكندرى

100_2880

الإمام العارف، والعالم الزاهد، صاحب الإشارات والحكم، تاج الدين بن عطاء الله أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الكريم الجزامى الإسكندرى، مالكى المذهب، جند قلبه للدعوة إلى طريق الله، فكتب الدرر التى تركها أنجماً ومعالماً تهدى طريق السائرين إلى الله تعالى..

مولده:

ولد بمدينة الإسكندرية حيث تقيم أسرته، وحيث كان جده يشتغل بالتدريس، وكان مولده ما بين سنتى 658هـ ، و 679 هـ، هكذا ذكرت المراجع.

تتلمذ على أشهر فقهاء الإسكندرية فى ذلك العصر، ومنه الفقيه ناصر الدين المنير الجذامى الإسكندرانى.

وأخذ العهد من الإمام والولى سيدى القطب الجليل أبو العباس المرسى الذى قال عنه سيدى أبو الحسن الشاذلى : إنه بطريق السماء أعرف منه بطريق الأرض، وبعد انتقال سيدى أبى العباس المرسى قام ابن عطاء الله على الطريقة الشاذلية داعياً لها ، إلى جوار قيامه بالتدريس بمدينة الإسكندرية، فلما رحل إلى القاهرة اشتغل بالعلم والتدريس والوعظ، وتولى التدريس بأكبر الجامعات الإسلامية فى ذلك الوقت، يقول ابن حجر: ( كان ابن عطاء يتكلم بالجامع الأزهر فوق كرسى ( أى أستاذ كرسى ) بكلام يروح النفس، ويمزج كلام القوم بآثار السلف وفنون العلم، فكثر أتباعه، وكانت عليه سيما الخير).

مصنفاته:

– التنوير فى إسقاط التدبير.

– الحكم العطائية .

– لطائف المنن.

– تاج العروس فى تهذيب النفوس.

– مفتاح الفلاح.

– القصد المجرد فى الإسم المفرد.

وغير ذلك مما حاز تقدير العلماء والمحققين.

ومن كلامه فى الحكم:

– ( من علامة الاعتماد على العمل، نقصان الرجاء عند وجود الزلل).

– ( لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك فى وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزيز).

– معصية أورثت ذلاً واحتقاراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً).

وفاته وضريحه:

توفى سنة 709 هجرية فى جمادى الآخرة وكانت وفاته بالمدرسة المصنورية التى كان يدرس بها ، وكانت جنازته حافلة بجمهور كبير من أهل القاهرة الذين شيعوه إلى ضريحه تحت جبل المقطم بالقاهرة ، اللهم انفعنا به .

وقد ذكر شيخنا الإمام الجعفرى بعضاً من مناجاته وكلامه مع الله تعالى وبيَّن لنا سمو حاله وتقواه ودرجة علمه.فقال شيخنا فى درس الجمعة الجزء الأول : ( الشيخ حمد بن عطاء الله يناجى الله تعالى فى حال الصفاء والوفاء والأذكار فيقول: من وجدك فما فاته شئ، ومن فقدك فقد فاته كل شئ ) ويشرح شيخنا كلام سيدى ابن عطاء الله قائلاً: أى من عرفك وعبدك وأسلم أمره إليك واعتز بك وقرأ كتابك ووجد حلاوة فى كلامك ما فاته شئ، ومن فقدك أى فقد معرفتك بقلبه فيكون كمن فاته كل شئ فى الدنيا والآخرة ، ويقول ابن عطاء الله أيضاً: عميت عين لم ترك رقيباً، وخسرت تجارة من لم ينل من حبك نصيباً، متى غيبت حتى تحتاج إلى دليل؟ وأنت حسبى ونعم الوكيل.

وابن عطاء الله السكندرى شخصية صوفية مصرية لها خطرها فى التصوف الإسلامى ، ويعد حقاً مثلاً للتصوف فى النصف الأخير من القرن السابع وأوائل القرن الثامن الهجرى ، وكان أديباً بارعاً أثرت به المكتبة الإسلامية عموما والمكتبة الصوفية خاصة ، وذلك من خلال كلمات خالدة على مر الزمان، فقد ألف : الحكم العطائية ،والتى توفر على شرحها عدد كبير من العلماء والحكماء، والتنوير فى إسقاط التدبير ، ولطائف المنن ، ومفتاح الفلاح ومصباح الأرواح ، وعنوان التوفيق فى آداب الطريق .صحب سيدى أبو العباس المرسى وتتلمذ عليه صحبة دامت اثنتى عشرة سنة ، وكان قبل ذلك فقيهاً تتلمذ على يديه أكابر العلماء

مولانا الإمام الحسن بن على رضى الله عنه

مولد الإمام الحسن رضى الله عنه:

وُلِدَ الإمام الحسن – رضى الله عنه – للنصف الأول من شهر رمضان من السنة الثالثة للهجرة فى أشرف بيت من بيوت العرب؛ بيت سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وأسرع سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – لبيت السيدة فاطمة الزهراء لاستقبال حفيده الأكبر فاستقبله فى فرح وسعادة بالغة، وأذَّن فى أذنه.

ولما حضر سيدنا رسول الله  – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: ” أرونى إبنى .. ما سميتموه؟ قال الإمام على: ” سميناه حرباً “، فقال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” بل هو حَسَن “.

حيث نزل الوحى على النبى الكريم – صلى الله عليه وآله وسلم – وقال جبريل الأمين لسيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – “سّمِّهِ حَسَناً”، وقد كان.

وعقَّ عنه سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بكبشين أمْلَحَيْن، وأعطى القابلة فخذاً وديناراً، وقال سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – للسيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين – رضى الله عنها – : ” يا فاطمة .. إحلقى رأسه، وتصدقى بزنة شعره فضة “.

وقد أجرى سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – للإمام الحسن – رضى الله عنه – الختان فى اليوم السابع من ولادته، وجاء فى الحديث الشريف : ” إنَّ الله جعل ذرية كل نبىٍّ فى صلبه، وجعل ذريتى فى صلب علىّ”.

نشأته – رضى الله تعالى عنه – :

نشأ سيدنا الإمام الحسن – رضى الله تعالى عنه – نشأة شرعية قوامها كتاب الله؛ حيث قام على تربيته جده المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – فكان يحبه حباَ شديداً حتى كان يقبل زبيبته وهو صغير (والزبيبة قرحة سوداء على الجبين) وكان – صلى الله عليه وآله وسلم يُقَبِّلُه ويداعبه.

روى البخارى عن أبى بكرة – رضى الله عنه – قال: رأيت رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – على المنبر، والحسن بن على معه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة، ويقول: ” إن ابنى هذا سيد، ولعلَّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين”.

يقول عنه سيدى الشيخ صالح الجعفرى – رضى الله تعالى عنه -:

وسَيَّدَكَ النَّبِىُّ وقال إِبْنى
فأصْلَحَ بيْنَهُمْ وتراه بدْراً

 

 

سيُصْلِحُ بيْنَ جيشِ المؤمنينا
زهيداً فى حُطام المُتْرَفينا

 

وشمله جده المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – بالعناية والرعاية والمكرمات العظيمة والمُثُل العليا النبيلة، والقِيَم المحمدية الشريفة، وكان يحْنُو عليه حُنُوَّاً عظيماً، ويصحبه فى كثير من أوقاته هو وسيدنا الإمام الحسين رضى الله عنه، ويرسم لهما محاسن الفعال ومكارم الأخلاق، ومدحه سيدنا الشيخ صالح الجعفرى – رضى الله تعالى عنه – قائلاً:

أيا حَسَنُ المُكَرَّمُ نِلْتَ فضلاً

 

 

وإخلاصاً وإرشاداً مُبيناً

 

وقال سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – عن مولانا الإمام الحسن – رضى الله تعالى عنه – : ” من سَرَّهُ أن ينظر إلى سيِّدِ شباب أهل الجنَّةِ فلينْظُرْ إلى الحَسَنِ بن على “.

وفى الحديث قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – للإمام الحسن: ” اللهم إنى أحبه فأحبه وأحب من يحبه “.

وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – وقد حَمَلَ الحَسَن على ركتفه الشريف فلقيه رجل فقال: نِعْمَ المركب ركبت يا غلام، فقال النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” ونِعْمَ الراكبُ هُوَ “.

أوصافه وملامحه – رضى الله تعالى عنه – :

كانت السيدة فاطمة الزهراء تداعب الإمام الحسن بن على وتقول: ” بأبى شبيه بالنبى ، ليس شبيهاً بعلىَّ “.

يقول سيدنا علىٌّ – كرَّم الله وجهه – : الحَسَنُ أشبه برسول الله ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ما أسفل من ذلك، لذلك قال شيخنا الإمام الجعفرى – رضى الله عنه – :

شَبيهٌ بالنَّبىِّ له كمالٌ

 

 

وإخْباتٌ يفوق المخبتينا

 

وكان للإمام الحسن بن على – رضى الله عنه – مناقب كثيرة منها أنه كان يكره الفتن والسيف، شديد التقى والنقاء، والصفاء والوفاء، وأخلاقه أسمى من أن يحصيها عادٌّ فقد كان – رضى الله تعالى عنه – جامعاً لمكارم الأخلاق.

لقد كان الإمام الحسن – رضى الله عنه – يحج إلى بيت الله الحرام ماشياً ونجائبه تقاد بين يديه ويقول: ” إنى أستحيى من ربى عزَّ وجلَّ أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته “.

آلقابه – رضى الله تعالى عنه – :

ولقد لُقِّبَ الإمام الحسن – رضى الله عنه – بألقاب عديدة وكثيرة منها: التقىّ، والطيِّب، والولىّ، والسيِّد، والسبط، وأمير المؤمنين، وإن كان أشهرها “السبط” وقد كان من ألقابه عميد أهل البيت بعد أبيه – رضى الله عنهما – ومن ألقابه أيضاً : حليم أهل البيت.

مظاهر شخصية الإمام الحسن رضى الله عنه :

لقد بيَّن سيدنا الشيخ صالح الجعفرى – رضى الله تعالى عنه – شخصيته عندما مدحه قائلاً:

لهُ حِلْمٌ لَهُ كَرَمٌ وَ جُودٌ

 

 

يفُوقُ به عطاء المُنْفقينا

 

كان الإمام الحسن – رضى الله عنه – حادَّ الذكاء، حاضر البديهة، قوى الحجَّة، خطيباً راشد الرأى حكيماً، راضياً بالمقدور، وذلك من علامات اليقين، وكان – رضى الله عنه – يكظم الغيظ ويملك النفس، فمما شهد له به خصومه أن حلمه كان يوزن بالجبال، وقد كان – رضى الله عنه – عذب الروح، حلو الحديث، كريم المعاشرة، حسن الألفة، يعطى المال حين يُسأل وحين لا يُسأل، ذا هيبة ووقار، يُحسَب له حساب عند الأمراء من بنى أمية حتى قال معاوية – رضى الله عنه – : والله ما رأيته جالساً عندى إلى خفت مقامه.

وكان – رضى الله عنه – رجل سلام وفىَّ العهد، فحين سالَمَ سيدنا الإمام الحسن سيدنا معاوية – رضى الله عنه – إنما سالمه ابتغاء مرضاة الله لا خوفاً من أحد، ولا خوف الحرب، فلد ردَّ على أحد أعوانه حين أشار عليه بنقض صحيفة الصلح بينه وبين سيدنا معاوية قائلاً: “إنى لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء ولا أثبت عند الحرب منى، ولكن أردت صلاحكم وكفَّ بعضكم عن بعض، فارضوا بقدر الله وقضائه حتى يستريح بارٌّ أو يُسْتَراح من فاجر”

ومن يستطيع أن يظهر مظاهر شخصية مولانا الإمام الحسن إلا مولانا الإمام الحسين حين وقف على قبر أخيه الإمام الحسن وهو فى موقف الحزن الشديد الذى يشتت الأفكار ويعجز الألسنة، قال: ” رحمك الله يا أبا محمد .. أن كنت ناصراً للحق، تؤثر الله عند مداحض الباطل فى مكان التقية بحسن الروية، تستشف جليل معاظم الدنيا بعين حاذرة وتقبض عليها بيد طاهرة، وتروح ما يريده أعداؤك بأيسر المؤمنة عليك وأنت ابن سلالة النبوة ورضيع لبان الحكمة”.

من أقواله – رضى الله عنه – :

الغنيمة: الرغبة فى التقوى، والزهادة فى الدنيا، فذلك الغنيمة الباردة.

المجد: أن تعطى فى العدم، وتعفو عن الجرم.

العقل: حفظ القلب كل ما استوعبته.

الثناء: إتيان الجميل وترك القبيح.

الحزم: طول الأناة والرفق بالولاة.

السفه: اتباع الدناءة ومصاحبة الغواة.

الغفلة: ترك المجد وطاعة المفر.

الحرمان: ترك حظك وقد عُرِضَ عليك.

وبعد: فهذا قبس وسيرة حليم آل البيت وسيد شباب أهل الجنة الإمام أبى محمد الحسن بن على – رضى الله تعالى عنهما – وإن كانت أوصافه وملامحه وشمائله أوسع من أن يدونها مخطوط.

وفى الختام: أخرج الديلمى عن الإمام على – رضى الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -: ” أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة : المكرم لذريتى، والقاضى لهم الحوائج، والساعى لهم فى أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه”.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.

الإمام العز بن عبد السلام سلطان العلماء

108

هو الإمام العارف ، والعالم الزاهد، صاحب الإشارات والحكم، تاج الدين بن عطاء الله أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الكريم الجزامى الإسكندرى: مالكى المذهب ، جند قلبه للدعوة إلى طريق الله ، فكتب الدرر التى تركها أنجماً ومعالماً تهدى طريق السائرين إلى الله تعالى.

مولده وشيوخه:

هو عز الدين بن عبد السلام بن أبى القاسم ، شيخ الإسلام، وسلطان العلماء، ولد سنة 577هـ، وتفقه على الفخر ابن عساكر ، وأخذ الأصول عن السيف الآمدى، وسمع الحديث من عمر بن محمد بن طبرزد، وغيرهم، وبرع فى الفقه والأصول العربية، يقول الذهبى فى العبر: ( انتهت إليه معرفة المذهب مع الزهد والورع، وبلغ فيه رتبة الاجتهاد).

قدومه إلى مصر:

قدم مصر فأقام بها أكثر من عشرين عاماً ناشراً للعلم، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، يغلظ على الملوك فمن دونهم، ويضيف الذهبى: ( إنه لما دخل مصر استقبله الشيخ زكى الدين المنذرى، وبالغ فى الأدب معه، وامتنع من الإفتاء لأجله، قائلاً: كنا نفتى قبل حضوره، وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه).

شدته فى الحق:

أما عن سبب ترك العز بن عبد السلام سوريا وحضوره إلى مصر فيقول المقريزى فى كتابه (السلوك) فى حوادث سنة ثمان وستمائة: ( أذن الملك الصالح إسماعيل للفرنج فى دخول دمشق، فأنكر عليه المسلمون ذلك، ومشى أهل الدين منهم إلى العلماء فاستفتوهم، فأفتى العز بن عبد السلام بتحريم بيع السلاح للفرنج، وقطع من الخطبة – بالجامع الأموى بدمشق – الدعاء للصالح إسماعيل ، وصار يدعو فى الخطبة بدعاءٍ ، منه : ( اللهم أبرم لهذه الأمة إبرام رشد، تعز فيه أولياءك، وتذل فيه أعداءك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك) والناس يضجون بالدعاء.

عزله من الخطابة واعتقاله:

ولما بلغ ذلك الملك الصالح إسماعيل عزل العز بن عبد السلام عن الخطابة، واعتقله مع الشيخ أبى عمرو بن الحاجب، لأنه شارك العز فى استنكاره، وأفرج عنهما بعد وقت واستطاعا الخروج من سوريا ودخول مصر، واستقبله بمصر سلطانها الصالح نجم الدين أيوب، وأكرم وفادته وولاه قضاء مصر.

وظل العز بن عبد السلام على صلابته فى الحق ودقة أحكامه مع ما يميزه من الشجاعة الأدبية البالغة.

تلاميذه الذين أخذوا عنه:

من تلاميذه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، وهو الذى لقب الشيخ عز الدين بن عبد السلام بـ ( سلطان العلماء ) ، والإمام علاء الدين أبو الحسن الباجى، والشيخ تاج الدين بن الفركاح، والحافظ أبو محمد الدمياطى، والعلامة أبو محمد هبة الله القفطى ، وغيرهم.

ومن تصانيفه:

– القواعد الكبرى.

– مجاز القرآن .

– شجرة المعارف.

– مختصر صحيح مسلم.

– الفرق بين الإيمان والإسلام.

– فوائد البلوى والمحن.

– الفتاوى الموصلية.

– الفتاوى المصرية.

وغيرها من المصنفات النافعة.

تصوفه:

أما عن تصوفه فقد ذكر السيوطى أن الإمام العز بن عبد السلام كان متصوفا عن الشهاب السهروردى، كما كان يحضر عند الشيخ أبى الحسن الشاذلى الذى قال عنه: ( ما على وجه الأرض مجلس فى الفقه أبهى من مجلس الشيخ عز الدين بن عبد السلام).

وفاته وضريحه:

توفى الإمام فى جمادى الأولى سنة 660 هـ، ودفن بالقرافة الكبرى، ويقع ضريحه بسفح المقطم بمنطقة البساتين بالقاهرة، بالقرب من جبانة التونسى وجبانة الإمام اللي

الإمام الشافعى رضى الله عنه

الامام-الشافعى-11

هو : أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان السائب، يلتقى مع سيدنا رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- فى جده عبد مناف.

ولد فى غرة سنة 150 هجرية فى السنة التى توفى فيها الإمام أبو حنيفة ، لذلك قال الناس عن تلك السنة ( مات إمام وولد إمام) .

توفى والده وهو صغير فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين خشية أن يضيع نسبه الشريف ، وحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنوات ، وبعد أن اكتمل له حفظ القرآن اتجه إلى الحديث النبوى الشريف، وسعى إلى معالى الأمور بهمة ونشاط حتى أصبح من حفاظ الحديث المعدودين طلبة العلم المعروفين، ثم لازم قبيلة هذيل يتعلم كلامها وكانت أفصح العرب، وعندما عاود مكة كان ينشئ الأشعار ويذكر الآداب والأخبار، ثم جلس يطلب العلم فى مكة على يد الفقهاء والمحدثين حتى بلغوا شأناً عظيماً وشأواً بعيداً، وأصبح عالماً جليلاً، وعندما سمع فقيه مكة خالد بن مسلم الزنجى –رضى الله تعالى عنه- عن الشافعى أذن لها بالفتيا قائلاً له : أفت يا أبا عبد الله فقد آن لك أن تفتى.

وانتهى به المقام فأقام فى مصر وعشقه أهل مصر وأحبوه وأحبوا مذهبه ، وكان متواضعاً لله عزل وجل.

ومن كلامه ما اشتهر عنه :

أحب الصالحين ولست منهم لعلى أن أنال بهم شفاعـة

وأكره من تجارته المعاصى وإن كنا سواءً فى البضاعة

فأجابه تلميذه:

تحب الصالحين وأنت منهم لعلهموا ينالون الشفاعـة

وتكره من تجارته المعاصى حماك الله من تلك البضاعة

ومثلاً:

دعِ الأيام تفعل ما تشاء
ولا تجزع لأحداث الليالى
وكن رجلاً على الأهوال جلداً
وإن كثرت عيوبك فى البرايا
تستَّر بالسخاء فكل عيب
ولا تُرِ للأعادى قط ذلاً
ولا ترجُ السماحة من بخيل
ورزقك ليس ينقصه التأنى
ولا حزنٌ يدوم ولا سرورٌ
إذا ما كنت ذا قلبٍ قنوع
ومن نزلت بساحته المنايا
وأرض الله واسعةٌ ولكن
دع الأيام تغدر كل حينٍ

وطب نفساً إذا حكم القضاءُ
فما لحوادث الدنيا بقاءُ
وشيمتك السماحة والوفاء
وسرك أن يكون لها غطاءُ
يغطِّيه – كما قيل – السخاءُ
فإن شماتة الأعدا بلاءُ
فما فى النار للظمآن ماءُ
وليس يزيد فى الرزق العناءُ
ولا بؤس عليك ولا رخاءُ
فأنت ومالك الدنيا سواءُ
فلا أرض تقيه ولا سماءُ
إذا نزل القضا ضاق الفضاءُ
فما يغنى عن الموت الدواءُ

وقوله:

يا آل بيت رسول الله حبكم فرض من الله فى القرآن أنزله

وقال أيضاً:

رأيت العلم صاحبه كريم ولـو ولدته آباء لئــام

وليس يزال يرفعه إلى أن يعظم أمره بين الأنــام

ويتبعونه فى كل حــال كراعى الضأن تتبعه السوام

فلولا العلم ما سعدت رجال ولا عرف الحلال ولا الحرام

قال الإمام الجعفرى رضى الله عنه:

للشافعى مكارم أكرم به نشر العلوم بسائر الأقطار

ويقول أيضاً:

وزر للشافعى وكن محبــاً فزورته سراج الصادقينا

كبحر فى علوم الشرع يحوى جواهر قد حوت دراً ثميناً

فكم نشر العلوم وكـان بدراً مضيئاً فى بلاد المسلمينا

وكان إمامنا الجعفرى –رضى الله تعالى عنه- يحافظ على زيارته كل يوم جمعة، ولما قام شيخنا الإمام الجعفرى بالدرس فى الأزهر الشريف وشغل به ولم يستطع الزيارة فى ذلك الوقت رأى الإمام الشافعى رضى الله عنه يقول له فى الرؤيا: نحن نحضر عندك الدرس فى الأزهر.

مولانا الإمام الحسين بن على

مولانا

سيد شباب أهل الجنة مولانا أبو عبد الله الحسين بن سيدة نساء العالمين السيدة فاطمة الزهراء رضى الله تعالى عنها وهى بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبوه هو أبو الحسنين مولانا الإمام على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه وكرم الله وجهه.

 ولد رضى الله تعالى عنه فى ثالث أو خامس يوم من شعبان سنة أربع للهجرة، بعد نحو عام من ولادة أخيه الإمام الحسن رضى الله تعالى عنه فعاش مع جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم نيفاً وست سنوات ،ترعرع مولانا الإمام

الحسين فى حب جده المصطفى وأفيضت عليه الأنوار النبوية والهبات المحمدية ، قال المصطفى فى حقه : ” حسين منى وأنا من حسين ” قال شيخنا الإمام الجعفرى شارحاً هذا الحديث: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالشمس وحسين منى أى شعاع من تلك الشمس، ” وأنا من حسين ” أى أنا متصل به كاتصال الشمس بشعاعها، وهذا عام فى جميع أهل البيت رضوان الله تعالى عنهم.

وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علينا ومعه الحسن والحسين عليهما السلام هذا على عاتقه وهذا على عاتقه الآخر، يلثم هذا مرة ويلثم هذا مرة حتى انتهى إلينا رجل فقال : يا رسول الله إنك تحبهما! قال: من أحبهما فقد أحبنى ، ومن أبغضهما فقد أبغضنى.

نشأ مولانا الإمام الحسين ذا مروءة نادرة وشجاعة فائقة وحلم عظيم وعفة كاملة ، وكان إلى جانب ذلك فقيها ورعاً ذكياً ظهر ذلك فى كثير مما أثر عنه .

تزوج الإمام الحسين بعدد من النساء رجاء كثرة النسل لحفظ أثر البيت النبوى كما فعل أبوه من قبل، وقد حقق الله هذا الرجاء فحفظ ميراث النبوة وعصبتها فى نسل الحسن والحسين وزينب أخت الإمام وفاطمة ابنته رضى الله عن الجميع.

أما أبناؤه :

على الشهيد ، وأمه برة بنت عروة بن مسعود الثقفى من أشرف بيوت العرب.

وعلى الأوسط أو المثنى واشتهر بالإمام، وعلى الأصغر أو المثلث واشتهر بزين العابدين السجاد، وأمهما الأميرة مشهر بانو بنت كسرى شاهنشاه ملك الفرس.

ومحمد وعبد الله وسكينة الكبرى والصغرى ، وأمهم الرباب بنت امرئ القيس الكندية من ملوك العرب.

وجعفر ، وأمه القضاعية .

وفاطمة وزينب وأمهما ام إسحاق بنت طليحة بن عبد الله من كبار الصحابة.

لكن نسل الإمام الحسين كان كله من سيدى على زين العابدين ، ومن ابنتيه فاطمة وزينب عند من يقر الشرف من طريق البنات.

وقد كانت حادثة كربلاء من أعظم أحداث التاريخ خطراً حيث شهدت استشهاد سيد الشهداء مولانا الإمام الحسين رضى الله تعالى عنه وكثير من أهل بيت النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، وليس هنا مكان الاستفاضة فى ذكر قصة كربلاء .

يقع مسجد مولانا الإمام الحسين مقابلاً للجامع الأزهر وبينهما شارع جوهر القائد ( الأزهر حالياً) .

الإمام الأكبر دكتور عبد الحليم محمود

الامام-عبد-الحليم-محمود

الشيخ عبد الحليم محمود (1910 – 1978) عالم أزهري ووزير مصري سابق وشيخ الأزهر في الفترة بين عامي 1973 و 1978. ولد في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ= 12من مايو 1910م)، بقرية أبو حمد مركز بلبيس بمحافظة الشرقية.

حفظ القرآن الكريم ثم التحق ب الأزهر سنة 1923 م حصل على العالمية سنة 1932 م

سافر إلى فرنسا حيث حصل على الدكتوراه سنة 1940 م في الفلسفة الاسلامية بعد عودته عمل مدرسا بكليات الأزهر ثم عميدا لكلية أصول الدين سنة 1964 م و عضوا ثم أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية.

عين وكيلا للأزهر سنة 1970 م فوزيرا للاوقاف و شئون الأزهر.

الشيخ عبد الحليم محمود (1910 – 1978) عالم أزهري ووزير مصري سابق وشيخ الأزهر في الفترة بين عامي 1973 و 1978. ولد في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ= 12من مايو 1910م)، بقرية أبو حمد مركز بلبيس بمحافظة الشرقية.

حفظ القرآن الكريم ثم التحق ب الأزهر سنة 1923 م حصل على العالمية سنة 1932 م

سافر إلى فرنسا حيث حصل على الدكتوراه سنة 1940 م في الفلسفة الاسلامية بعد عودته عمل مدرسا بكليات الأزهر ثم عميدا لكلية أصول الدين سنة 1964 م و عضوا ثم أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية.

عين وكيلا للأزهر سنة 1970 م فوزيرا للاوقاف و شئون الأزهر.

مقتطفات من حياة الإمام

صدر قرار تعيين الشيخ عبد الحليم محمود شيخا للأزهر في (22 من صفر 1393هـ= 27 من مارس 1973م)، ثم بعدها صدور قرار جديدمن رئيس الجمهورية في (17 من جمادى الآخرة 1394هـ= 7 من يوليو 1974م) يكاد يجرد شيخ الأزهر مما تبقى له من اختصاصات ويمنحها لوزير الأوقاف والأزهر، فقدم الشيخ استقالته من منصبه لرئيس الجمهورية، لأن هذا القرار يعوقه عن أداء رسالته الروحية.

روجع الإمام في أمر استقالته، وتدخل الحكماء لإثنائه عن قراره، لكن الشيخ أصر على استقالته، وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه، ورفض تناول راتبه، وطلب تسوية معاشه، وأحدثت هذه الاستقالة دويا هائلا في مصر وسائر أنحاء العالم الإسلامي.

عاود الرئيس أنور السادات النظر في قراره ودراسة المشكلة من جديد، وأصدر قرارا أعاد فيه الأمر إلى نصابه، جاء فيه: شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر.

وفي عهده تم عقد مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية، وتوالى انعقاده بانتظام، كما أقنع المسئولين بتخصيص قطعة أرض فسيحة بمدينة نصر لتضم المجمع وأجهزته العلمية والإدارية، ثم عني بمكتبة الأزهر الكبرى، ونجح في تخصيص قطعة أرض مجاورة للأزهر لتقام عليها.

وأثناء توليه لوزارة الأوقاف عني بالمساجد عناية كبيرة، فأنشأ عددا منها، وضم عددا كبيرا من المساجد الأهلية، وجدد المساجد التاريخية الكبرى مثل جامع عمرو بن العاص أقدم المساجد في إفريقيا، وأوكل الخطبة فيه إلى الشيخ محمد الغزالي فدبت فيه الروح، وعادت إليه الحياة بعد أن اغتالته يد الإهمال، وتدفقت إليه الجماهير من كل صوب وحدب، وأنشأ بمساجد الوزارة فصولا للتقوية ينتفع بها طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية جذبت آلافا من الطلاب إلى المساجد وربطتهم بشعائر دينهم الحنيف.

وفاته

انتقل إلى رحمة الله صبيحة يوم الثلاثاء الموافق (15 من ذي القعدة 1397هـ= 17من أكتوبر 1978م).

سيدى الشيخ صالح الجعفرى


فضيلة الإمام الشيخ صالح الجعفري

رضي الله تعالى عنه

images

هو العارف بالله تعالى فضيلة الشيخ صالح بن محمد صالح بن محمد رفاعي الجعفري الصادقي الحسيني الذي يتصل نسبه العالي بالإمام جعفر الصادق بن سيدنا محمد الباقر بن سيدنا على زين العابدين بن

سيدنا و مولانا الإمام الحسين رضي الله تبارك و تعالى عنهم أجمعين.

و لد مولانا رضي الله تعالى عنه و أرضاه ببلدة “دنقلا” بشمال السودان في اليوم الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة ثمان و عشرين  و ثلاثمائة بعد الألف من التاريخ الهجري “1328″ هـ

وقد ولد شيخنا –رضى الله تعالى عنه- ببلدة ” دنقلا ” من السودان الشيق فى الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة 1328 هـ ، وبها حفظ القرآن وأتقنه فى مسجدها العتيق ، ثم وفد إلى مصر ، ليتلقى العلوم بالأزهر الشريف ، واتصل بأهله المقيمين بقرية ” السلمية ” بمركز الأقصر من محافظة قنا، يحدثنا الشيخ  -رضى الله تعالى عنه – عن أهله وأجداده الجعافرة فى السلمية ، فيقول عن أسرته : ” من بلدة الأقصر بصعيد مصر ، من القبيلة التى هى من الجعافرة ، وتسمى ” العلوية ” وهم مفرقون بين الأقصر والحلة والحليلة والدير، وقد قل عددهم والبقاء لله، وفى السلمية يوجد قبر جد والدى محمد رفاعى بمقبرة جد الجعافرة السيد الأمير ” حمد ” ، حيث كان يقيم هناك ، وللجعافرة نسب كثيرة محفوظة قديمة، ومن أشهرهم فى إظهار تلك النسب أخيراً : الشريف السيد إسماعيل النقشبندى وتلميذه الشيخ موسى المرعيابى ، ولا تزال ذرياتهم تحتفظ بتلك النسب كثيرة الفروع المباركة”.

وقد أخذ شيخنا – عليه رضوان الله – طريق سيدى أحمد بن إدريس –رضى الله تعالى عنه – عن سيدى محمد الشريف –رضى الله تعالى عنه – ويحدثنا شيخنا الإمام صالح الجعفرى عن ذلك فيقول:

” وقد أجازنى بهذا الطريق شيخى وأستاذى مربى المريدين الشريف السيد محمد عبد العالى، عن والده السيد عبد العالى ، عن شيخه العلامة السيد محمد بن على السنوسى عن شيخه العارف بالله تعالى السيد أحمد إدريس رضى الله تعالى عنه”.

ثم كان حضوره إلى مصر للالتحاق بالأزهر بإشارة من شيخه سيدى محمد عبد العالى –رضى الله تعالى عنه- وعن ذلك يحدثنا شيخنا –رضى الله تعالى عنه- فيقول:

“قبل مجيئى إلى الأزهر جاء أحد أهل البلد بأول جزء من شرح النووى على صحيح مسلم ، فاستعرته منه وصرت أذاكر فيه ، فرأيت سيدى عبد العالى الإدريسى  -رضى الله تعالى عنه- جالساً على كرسى ، وبجواره زاد للسفر، وسمعت من يقول: إن السيد يريد السفر إلى مصر ، إلى الأزهر ، فجئت وسلمت عليه ، وقبلت يده ، فقال لى مع حدة : ” العلم يؤخذ من صدور الرجال لا من الكتب ” وكررها، فاستيقظت من منامى ، وقد ألهمنى ربى السفر إلى الأزهر ، وحشرت الشيخ محمد إبراهيم السمالوطى المحدث، وهو يدرس شرح النووى على صحيح مسلم، فجلست عنده ، وسمعته يقرأ حديث ” لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإن استنفرتم فانفروا” رواه مسلم.

وقد تلقى الشيخ – رضى الله تعالى عنه- العلم بالأزهر الشريف على يد نخبة من كبار العلماء العاملين ، الذين جمعوا بين الشريعة والحقيقة ، ومنهم الشيخ محمد إبراهيم السمالوطى ، والشيخ محمد بخيت المطيعى ، والشيخ حبيب الله الشنقيطى، العالم المحدث المشهور صاحب ” زاد مسلم ” وغيره من المصنفات المفيدة الذى كان للشيخ معه لقاءات وكرامات ، يحدثنا عنها شيخنا –رضى الله تعالى عنه –فيقول:

ذهبت إلى بيت الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطى ، بجوار القلعة ، ناوياً بقلبى أن أستأذنه فى أن أكون مقرئاً له متن حديث البخارى ومسلم ، فلما وصلت البيت بغرفة الاستقبال ، وهى أول مرة أزوره بها، جاءنى بها مبتسماً ، فلما سلمت عليه وقبلت يده  ، وقال لى : أنت الذى – إن شاء الله – ستكون لى سراداً فى هذا العام ، ومعنى سراداً : مقرئاً ، والحمد لله قد لازمته خمس عشرة سنة إلى الممات، ونزلت قبره ، ولحدته بيدى، والحمد لله ، وكنت أقرأ للإخوان الحاضرين  درساً قبل حضوره بالمسجد الحسينى، فإذا عارضنى إنسان أو شاغبنى يهمس لى فى أذنى عند جلوسه على الكرسى بقوله: يعاسكونك وأنت خير منهم، كأنه كان معى ، ثم يأتى فى دروسه بكل موضوع قصرت فيه ، وقد حصل ذلك منه مرات كثيرة.

وكان إذا حصل له عذر يرسل تلميذاً أن أقرأ الدرس نيابة عن الشيخ، وفى يوم أرسل لى ورقة مكتوبة بخط يده، فيها: قد وكلتك بقراءة الدرس، فتعجبت من ذلك، لماذا غير الشيخ عادته من المشافهة إلى المكاتبة؟ وما أشعر إلا ومدير المساجد قد حضر وأنا أقرأ الدرس، فسألنى: وهل وكلك الشيخ؟ قلت : نعم ، قال: وأين التوكيل؟ فقدمت له الورقة المرسلة من الشيخ ففرح بها ، ودعا لى بخير، وكانت هذه كرامة منه – رحمه الله تعالى- وغفر له، وأسكنه فسيح الجنان، فإنه كان يحبنى كثيراً  ويقول لى: أنت بركة هذا الدرس ، قد أجزتك بجميع إجازاتى ومؤلفاتى.

وكان يقول لى: عليك بشرحى على زاد مسلم فيما اتفق عليه البخارى ومسلم ، فإنى ما تركت فيه شاذة ولا فاذة.

ومن شيوخه الشيخ يوسف الدجوى رحمه الله، الذى يقول عنه شيخنا رضى الله تعالى عنه :

 وكان أيضاً من العلماء العارفين ، وقد لازمت درسه بعد صلاة الصبح بالجامع الأزهر الشريف  بالرواق العباسى سبع سنين، وكان السيد الحسن الإدريسى إذا جاء من السودان  يلقانى فى درسه وبعد الدرس يسلم على الشيخ فيفرح فرحاً عظيماً ، ويقول: السيد أحمد ابن إدريس قطب لا كالأقطاب.

وكان الشيخ الدجوى قد أخذ الطريقة الإدريسية عن شيخى السيد محمد الشريف – رضى الله تعالى عنه- والشيخ الدجوى من هيئة كبار علماء الأزهر، وله مؤلفات نافعة ومقالات قيمة فى مجلة الأزهر الشريف ، وقد حضرت عليه التفسير من سورة محمد – صلى الله عليه وآله وسلم- إلى آخر سورة الناس، قم ابتدأ شرح البخارى بعده، وكان يحفظ القرآن الكريم بالتجويد والقراءات ، ويذكر أقوال المفسرين، ويعرب الآية إعراباً دقيقاً ويبين الألفاظ اللغوية فيها، ويتعرض للأحكام الفقهية على المذاهب ، وكان يقرأ الحديث بالسند ويترجم لرجاله ترجمة طريفة، ويذكر أقوالاً كثيرة قيمة فى أدلة التوسل بالنبى –صلى الله عليه وآله وسلم- ذكر أكثرها فى مجلة الأزهر المسماة وقتها ” نور الإسلام ” .

وقد كان شيخنا –رضى الله تعالى عنه- يحضر دروس هؤلاء العلماء حضور الواعى المتفهم المحب للعلم وأهله، فكان كثيراً ما يناقش شيوخه ويحاورهم فى أدب جم، وكانوا يعجبون به وبفطنته وقوة حافظته، وحجته فيثنون عليه خيراً ويدعون له بالتوفيق والبركة.

ويذكر لنا شيخنا –رضى الله تعالى عنه – صورة من ذلك مع شيخه الدجوى السالف الذكر، فيقول: ” كان رحمة الله عليه يقرأ حديث سؤال القبر فى صحيح البخارى، وكنت قد ذاكرت شرح الكرمانى على البخارى ، ورأيت فيه أن النبى –صلى الله عليه وآله وسلم- يظهر للمسئول ، فوكزنى فى صدرى وقال لى: أنا ذاكرت شرح الكرمانى واطلعت فيه على هذه المسألة ، لم لم تذكرنى بها فى الدرس حتى يسمعها منى الناس؟”

ومرة كان يتكلم على رؤية النبى –صلى الله عليه وآله وسلم- مناماً فقال: ” وإن الشيطان لا يتمثل به –صلى الله عليه وآله وسلم- إذا جاء فى صورته الأصلية ، والمعتمد أيضاً أنه لا يتمثل به إذا جاء فى غير صورته الأصلية ، فقلت له: روى شيخنا السيد أحمد بن إدريس –رضى الله تعالى عنه – فى كتابه المسمى ” روح السنة ” أنه –صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ” من رآنى فقد رآنى فإنى أظهر فى كل صورة ” ففرح فرحاً عظيماً ، وقال لى: هذا الحديث هو الدليل على أن الشيطان لا يتمثل به –صلى الله عليه وآله وسلم – ولو جاء فى غير صورته الأصلية ، أنت مبارك يا شيخ صالح ، نفع الله بك المسلمين”.

ومن شيوخه الشيخ على الشايب –رحمه الله – الذى حضر عليه الشيخ شرح  منظومة الشيخ اللقانى المسماة ” جوهرة التوحيد ” يقول عنه شيخنا:

وكان  يدرسها فى أول عام حضرت فيه إلى الأزهر الشريف، وكان يدرسها غيباً متناً وشرحاً، وكان من العلماء الصالحين ، وكان إذا دخل قبة سيدنا الحسين –رضى الله تعالى عنه- يحصل له حال خشوع عجيب، كأنه يشاهده وينزل عليه عرق كثير، وكنت أدرس عليه شرح ابن عقيل على ألفية بن مالك ، وفى ليلة من الليالى رأيت النبى –صلى الله عليه وآله وسلم- فى النوم وكان يحدثنى فى مسألة علمية أخطأت فيها ، فغضب النبى –صلى الله عليه وآله وسلم- وقال لى: ” يا ولد ” وذلك ضمن كلام يطول، فلما أصبحت وحضرت فى الدرس قلت فى نفسى وأنا جالس : يقول النبى –صلى الله عليه وآله وسلم- : يا ولد ، فهل أنا صغير؟ فالتفت إلىَّ الشيخ – وهو يدرس – وقال: إنما قلنا لك يا ولد كعادة العرب لا لأنك صغير ، وأمثال هذا الشيخ عند الصوفية يسمون أرباب القلوب، ولعلهم أن يكونوا من المحدثين الذين منهم سيدنا عمر –رضى الله تعالى عنه- كما فى حديث البخارى.

ومنهم الشيخ حسن مدكور ، والشيخ عبد الرحمن عليش ، والشيخ محمد أبو القاسم الحجازى ، والشيخ عبد الحى الكتانى، والشيخ أبو الخير الميدانى شيخ علماء سوريا، والشيخ أحمد الشريف الغمارى ، وأخوه الشيخ عبد الله الغمارى ، والشيخ على أدهم المالكى السودانى ، والشيخ حسن المشاط من علماء مكة المكرمة، والشيخ مصطفى صفوت، والشيخ عبد الحليم إبراهيم ، والشيخ أبو يوسف ، والشيخ محمد الحلبى ، والسيد عبد الخالق الشبراوى، والشيخ محمد عطية البقلى ، والشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى المالكى، والشيخ محمد العنانى شيخ السادة المالكية ، والشيخ الدليشنى، والشيخ سلامة العزامى، والشيخ صادق العدوى، والشيخ أحمد وديدى من بلدة رومى بالسودان، والشيخ على محمد إمام وخطيب مسجد دنقلا، والشيخ حسن أفندى، والشيخ على بن عوف، والشيخ أحمد النجار المدرسان بمسجد دنقلا-رحمهم الله – وغيرهم من المشايخ بالأزهر الشريف.

هذه الكوكبة من العلماء العاملين العارفين كان لها عظيم الأثر فى سعة علم الشيخ –رضى الله تعالى عنه – مع ما وهبه الله من ذكاء وقوة حافظة، فأكب الشيخ على دروسه وجاهد وثابر حتى نال الشهادتين العالية والعالمية من الأزهر الشريف ، ثم أصبح صاحب حلقة ومدرساً بالأزهر الشريف.

أما قصة تعيين الشيخ –رضى الله تعالى عنه- مدرساً بالجامع الأزهر الشريف فهى جديرة بأن تروى لما فيها من دليل ساطع على موهبة الشيخ العلمية ، ومحبته للعلم وشيوخه ، يحدثنا عنها الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومى فيقول:

ومن مواقف الشيخ التى بلغ التأثير فيها روعته موقفه فى رثاء أستاذه الكبير الشيخ يوسف الدجوى –رضى الله تعالى عنه- فقد كنا طلاباً فى كلية اللغة العربية ، ونادى الناعى معلناً بوفاة الشيخ الكبير ومحدداً ميعاد الجنازة فسارعت إلى توديعه ، وكان المشهد مؤثراً ، تتقدمه جماعة كبار العلماء ، برئاسة أستاذهم الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق (شيخ الأزهر فى ذلك الوقت) وحين بلغ الموكب فيها نهايته عند القبر انتفض الشيخ صالح الجعفرى خطيباً يرثى أستاذه فبدأ مرثيته مستشهداً بقول رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- : ( إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) ثم أفاض فى إيضاح منزلة العالم الفقيد وأشاد ببعض مواقفه الجريئة أمام المبتدعة والملاحدة ، وكان جلال الموقف ورهبة المناسبة واحتشاد الجموع مما جعل نفس الراثى ممتداً يتسع ويتدفق ويجيش ، وكان لصوته الحزين هزة تحرك النفوس وتعصف بالألباب، وما أن انتهى الخطيب من مرثيته حتى سأل عنه الأستاذ الأكبر معجباً ، ثم بادر بتعيينه مدرساً بالجامع الأزهر .

ومنذ ذلك الوقت بدأ الشيخ –رضى الله تعالى عنه- يلقى دروسه بالجامع الأزهر الشريف ، وقد أشربت نفسه حب العلم اقتداءاً برسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- يقول شيخنا –رضى الله تعالى عنه :

  وكان –صلى الله عليه وآله وسلم- يرشد الناس بالدروس العلمية وبالقرآن العظيم ، وقد تبعه شيخنا السيد أحمد بن إدريس –رضى الله تعالى عنه- فى ذلك فكان يرشد الناس بالقرآن الكريم والعلم، واستمر على ذلك حتى لقى ربه ، وقد سألت الله –تعالى- أن يوفقنى إلى ما كان عليه شيخنا العالم السيد أحمد بن إدريس صاحب العلم النفيس رضى الله تعالى عنه.

أما عن حلقة درس شيخنا الإمام الشيخ صالح الجعفرى –رضى الله تعالى عنه- فإن خير من يحدثنا عنها هو نجله وخليفته سيدى الشيخ عبد الغنى صالح الجعفرى –حفظه الله – فيقول:

 وكانت حلقة درسه الشهيرة بعد صلاة الجمعة بالأزهر الشريف جامعة إسلامية صوفية تعمقت فيها أصول الدين والشريعة علماً، وكانت فيها أصول روحانية التصوف تربية، فكانت مظهراً للحقيقة الصوفية، وكان منهجه : أدبنى ربى فأحسن تأديبى ، بما ورثه من هدى نبوى عظيم ، من الدوحة المحمدية الطاهرة نسباً، العظيمة أثراً ، نفخ فيها الإيمان من روحه ، فخلصت خلوص الزهد والورع والتقوى والصلاح، وسطعت سطوع الهدى وصفت صفاء الفطرة ، التى تبلورت فيها محمدية الإسلام الموروثة ، وصوفية الصفاء الموهوبة ، فصار –رضى الله تعالى عنه- لساناً لهادية الخلق، ففى دنيانا فجر للناس من ينابيع الحكمة وكنوز العلم والمعرفة وأسرار القرآن الكريم ، فجاء بالجديد والغريب من التفسير الذى لم يسبقه إليه الأوائل ؛ ذلك لأنه –رضى الله تعالى عنه- لم يكن يملك عقلاً مكتسباً، وإنما كان يملك عقلاً موهوباً ملهماً من الله – عز وجل – مقتدياً برسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- فكان يعطى من كنوز عقله ، ومواهب فكره ، وفيوضات قلبه ، وروحانية روحه ، ومن إنسانية نفسه ، فكان يخاطب الخواطر والضمائر ، ويجيب على تساؤلات العقول ، وهواجس النفس ، فكانت حلقة درسه جامعة إسلامية ، علمية المذهب ، صوفية المشرب ، تربط بين الشريعة والحقيقة ، والظاهر والباطن، والنفس والروح، والعقل والخاطر.