استحباب الاحتفال بذكرى مولد النبى صلى الله عليه وآله وسلم

بقلم فضيلة الدكتور| على جمعة

مفتى الديار المصرية

لقد كان المولد النبوى الشريف إطلالة للرحمة الإلهية بالنسبة للتاريخ البشرى جميعه، وعبَّر القرآن الكريم عن وجود النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – بأنه (رحمة للعالمين)، وهذه الرحمة لم تكن محدودة، فهى تشمل تربية البشر، وتزكيتهم، وتعليمهم، وهدايتهم نحو الصراط المستقيم، وتقدمهم على صعيد حياتهم المادية والمعنوية، كما أنها لا تقتصر على أهل ذلك الزمان، بل تمتد على امتداد التاريخ بأسره (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

والاحتفال بذكرى مولده – صلى الله عليه وآله وسلم – من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب له – صلى الله عليه وآله وسلم – ، ومحبة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – أصل من أصول الإيمان، وقد صح عنه – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال: ” والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده”، وأنه – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين”.

قال ابن رجب : “محبة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – من أصول الإيمان، وهى مقارنة لمحبة الله – عزَّ وجل – وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدَّم عليها محبة شئ من الأمور المحببة طبعاً من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، قال الله – تعالى – : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، ولما قال عمر للنبى – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” أنت أحبُّ إلىَّ من كل شئ إلا نفسى، قال: لا يا عمر . حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: والله أنت الآن أحبُّ إلىَّ من نفسى، قال: الآن يا عمر”.

والاحتفال بمولده – صلى الله عليه وآله وسلم – هو الاحتفاء به، والاحتفاء به أمر مقطوع بمشروعيته؛ لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى، فقد علم الله – سبحانه وتعالى – قدر نبيه ، فعرَّف الوجود بأسره باسمه، وبمبعثه، وبمقامه، وبمكانته، فالكون كله فى سرور دائم وفرح مطلق بنور الله، وفرجه، ونعمته على العالمين، وحجته.

وقد درج سلفنا الصالح منذ القرن الرابع والخامس على الاحتفال بمولد الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه بإحياء ليلة المولد بأنواع شتى من القربات من إطعام الطعام، وتلاوة القرآن والأذكار، وإنشاد الأشعار والمدائح فى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – كما نص على ذلك غير واحد من المؤرخين مثل الحافظين: ابن الجوزى، وابن كثير، والحافظ ابن دحية الأندلسى، والحافظ بن حجر، وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطى رحمهم الله تعالى.

وألَّف فى استحباب الاحتفال بذكرى المولد النبوى الشريف جماعة من العلماء والفقهاء، بينوا بالأدلة الصحيحة استحباب هذا العمل؛ بحيث لا يبقى لمن له عقل وفهم وفكر سليم إنكار ما سلكه سلفنا الصالح بذكرى المولد النبوى الشريف، وقد أطال بن الحاج فى [المدخل] فى ذكر المزايا المتعلقة بهذا الاحتفال، وذكر فى ذلك كلاماً مفيداً يشرح صدور المؤمنين، مع العلم أن ابن الحاج وضع كتابه المدخل فى ذم البدع المحدثة التى لا يتناولها دليل شرعى.

قال خاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطى فى كتابه [ حسن المقصد فى عمل المولد ] بعد سؤال رفع إليه عن عمل المولد النبوى فى شهر ربيع الأول: ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل يثاب فاعله؟ قال: ” والجواب عندى أن أصل عمل المولد الذى هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة فى مبدأ أمر النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – وما وقع فى مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط فيأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك؛ هو من البدع الحسنة التى يثاب عليها صاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.

وقد ردَّ السيوطى على من قال: “لا أعلم لهذا المولد أصلاً فى كتابٍ ولا سنة” بقوله: ” نفى العلم لا يلزم منه نفى الوجود” مبيناً أن إمام الحفاظ أبا الفضل ابن حجر رحمه الله تعالى قد استخرج له أصلاً من السنة، واستخرج له هو – يعنى السيوطى – أصلاً ثانياً موضحاً أن البدعة المذمومة هى التى لا تدخل تحت دليل شرعى فى مدحها، أما إذا تناولها دليل المدح فليست مذمومة.

روى البيهقى عن الشافعى – رضى الله تعالى عنه – قال: ” المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة، والثانى: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال سيدنا عمر بن الخطاب – رضى الله تعالى عنه – فى قيام شهر رمضان : ” نعم البدعة هذه “، يعنى أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فلس فيها رد لما مضى” هذا آخر كلام الشافعى.

قال الإمام السيوطى: ” وعمل المولد ليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا اجماع، فهى غير مذمومة كما فى عبارة الشافعى، وهو من الإحسان الذى لم يعهد فى العصر الأول، فإن إطعام الطعام الخالى عن اقتراف الآثام إحسان، فهو إذن من البدع المندوبة، كما عبر عنه بذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام”.

وأصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوبة وقربة؛ لأن ولادته أعظم النعم علينا، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، وهذا ما رجحه ابن الحاج فى المدخل حيث قال: ” لأن فى هذا الشهر منَّ الله تعالى علينا بسيد الأولين والآخرين، فكان يجب أن يزاد فيه من العبادات والخير وشكر المولى على ما أولانا به من النعم العظيمة”.

والأصل الذى خرَّج عليه الحافظ ابن حجر عمل المولد النبوى هو ما ثبت فى الصحيحين من أن النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكراً لله تعالى، قال الحافظ: ” فيستفاد منه: فعل شكر الله على ما منَّ به فى يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك فى نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات كالسجود، والصيام، والصدقة، والتلاوة، وأى نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبى، نبى الرحمة فى ذلك اليوم؟!.

ويؤكد الحافظ بن حجر على مظاهر ذلك الاحتفال فيقول: “فينبغى أن نقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة، والإطعام، وإنشاد شئ من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة، وما كان مباحاً يقتضى السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به”.

ونقل السيوطى عن إمام القراء الحافظ شمس الدين بن الجزرى من كتابه [ عرف التعريف بالمولد الشريف ] قوله: ” إنه صحَّ أن أبا لهب يخفف عنه العذاب فى النار كل ليلة اثنين لإعتاقه ثُوَيْبَة عندما بشرته بولادة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – فإذا كان أبو لهب الكافر الذى نزل القرآن بذمه جوزى بفرحه ليلة مولد النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – فما حال المسلم الموحد من أمة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – يُسَرُّ بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته فى محبته؟ لعمرى إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم.

وأنشد الحافظ شمس الدين الدمشقى فى كتابه المسمى [ مورد الصادى فى مولد الهادى ]:

إذا كان هذا كافراً جاء ذمه
أتى أنه فى يوم الاثنين دائماً
فما الظن بالعبد الذى كان عمره

وتَبَّتْ يداه فى الجحيم مُخَلَّداً
يُخَفَّفُ عنه للسرور بأحمدا
يأحمد مسروراً ومات موحداً

  كما يمكن الاستدلال بعموم قوله – تعالى – : ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)، فلا شك أن مولد النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – من أيام الله فيكون الاحتفال به ما هو إلا تطبيقاً لأمر الله، وما كان كذلك فلا يكون بدعة، بل يكون سنة حسنة، حتى ولو لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ونحن نحتفل بمولده – صلى الله عليه وآله وسلم – لأننا نحبه، ولِمَ لا نحبه وقد عرفه وأحبه كل الكائنات، فهذا الجذع وهو جماد أحبَّ النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – وتعلق به واشتاق إلى قربه الشريف، بل وبكى بكاءً شديداً تشوقاً للنبى – صلى الله عليه وآله وسلم – وقد تواتر هذا الخبر وصار العلم به محتم.

ومما سبق ذكره من أقوال الأئمة كابن حجر، وابن الجوزى، والسيوطى، وغيرهم، وتبين أن هذا حال الأمة من القرن الخامس الهجرى، نرى استحباب الاحتفال بالمولد الشريف موافقة للأمة والعلماء، وأن يكون الاحتفال بما ذكر من تلاوة القرآن والذكر وإطعام الطعام، وألا يتطرق إليه مظاهر مذمومة كالرقص والطبل وما إلى ذلك، ولا عبرة بمن شذَّ عن هذا الإجماع العملى للأمة وأقوال هؤلاء الأئمة، وليس ذلك الاحتفال بكثير على النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – الرحمة المهداة حبيب رب العالمين.

بمناسبة الإحتفال بالهجرة النبوية المباركة

على الرغم من أن جميع مؤلفات مولانا الإمام الجعفرى لم تخلُ من مدح النبى –صلى الله عليه وآله وسلم- والكلام عن شمائله المحمدية وصفاته الخَلْقية والخُلُقية إلا أنه –رضى الله تعالى عنه- أن يفرد مؤلفاً خاصاً بسيرة مختصرة لرسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- تهفو إليها أرواح المحبين الصادقين، وتنعم به قلوبهم ، وتصفو بها نفوسهم ، فكان ذلك فى (السيرة النبوية المحمدية) التى يقول عنها شيخنا: (قد منًَ الله علىَّ بتأليف هذا المولد الشريف بالجامع الأزهر ذى العلوم الأزهرية . اقتصرت فيه مع الإيجاز على بعض سيرة سيدنا ومولانا رسول الله . وفى أول تأليفه رأيت فى النوم سيدنا جبريل عليه السلام رؤية ظاهرة جلية . فسلمت عليه ، وسألته الدعاء، فقال لى : “الله يتمم ” فتمم الله هذا المولد ببركة دعائه والحمد لله).

 ونقدم بعض من فصول كتاب السيرة النبوية لشيخنا الإمام الجعفرى

الفصل الخامس عشر

فى هجرته صلى الله عليه وآله وسلم

وكان صلى الله عليه وآله وسلم عظيم الصبر على أذى المشركين له ويدعو لهم بالهداية إلى الشريعة المحمدية . حتى أذن الله تعالى له بالهجرة إلى طيبة التى هى احب البلاد إلى الله .

وكان رفيقه صلى الله عليه وآله وسلم فى هجرته المباركة ذا المنزلة الصديقية أفضل الصحابة سيدنا أبو بكر الصديق الذى رضى الله عنه وأرضاه وقد ظهرت له صلى الله عليه وآله وسلم فى طريق هجرته معجزات صحيحة مروية . كنسج العنكبوت وبيض الحمامة وحجب أبصار الكفرة عن مرآه ، ودر شاة أم معبد التى ما بها قطرة لبنية . وقد ساخت قوائم فرس سراقة بن جعشم  لما دنا من حبيب الله ومصطفاه .

ورد الله تعالى عنه صلى الله عليه وآله وسلم الكفار بالخيبة الخذلانية . ونجى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالحفظ والسلامة وحفظه وتولاه .

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

الفصل السادس عشر

فى دخوله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة المنورة

وكان قد جاءه صلى الله عليه وآله وسلم ما يزيد على السبعين من الأوس والقبيلة الخزرجية . فآمنوا به صلى الله عليه وآله وسلم فبعث صلى الله عليه وآله وسلم اثنى عشر نقيبا يعلمونهم  القرآن والفقه وماوالاه . فآمن به صلى الله عليه وآله وسلم خلق كثير وانتشر الإسلام فى الأراضى اليثربية . وقدم صلى الله عليه وآله وسلم عليهم المدينة يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول الذى هو تاريخ ولادته كما رويناه . ولما دخل صلى الله عليه وآله وسلم المدينة استقبله أهلها بالبشر والسرور والمدائح الشعرية . ولما أرادوا أن ياخذوا  بزمام الناقة قال صلى الله عليه وآله وسلم : دعوها فإنها مأمورة ، فجاءت عند  مكان المسجد النبوى المسمى الآن بمبرك الناقة وبركت بإذن الله . فأخذ أبو أيوب الأنصارى رضى الله تعالى عنه رحله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته بالفرح والسرور وحسن النية . وكل يقول تنزل عندى يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أين الرحل؟ فقال أبو أيوب : هو عندى يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يبيت الرجل حيث بات رحله ، فيا سعد أبا أيوب ويا بشراه .

ثم بنى صلى الله عليه وآله وسلم المسجد وتتابع الوحى بالأحكام الشرعية . وجاءه المهاجرون والانصار وقد ترك كل وطنه ومأواه . جاءوا مهاجرين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بعزيمة وقوة يحملون السيوف الهندية . فقوى الجيش بأخطر سلاح وأقواه .

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

من الخطب المنبرية لفضيلة الشيخ عبد الغنى صالح الجعفرى

مسئولية الكلمة

الحمد لله على نعمة الإسلام وكمال الإيمان.

وأشهد أن لا إله إلا الله. رضينا به ربًّا وبالإسلام دينًا.

وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله نبي الرحمة وهادي الأمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه.

أما بعـد :

اللسان نعمة عظيمة إن صاحبه صانه، نقمة على صاحبه إن أطلقه أهانه، وهو عجيب من عجائب خلق الله، صغير حجمه كبير أثره.

هو عنوان القلب وترجمان الضمير، فترى الكفر والإيمان، والبُغض والمحبة، والشر والخير، والسفاهة واللطافة، ولا يستبين شيء منها ولا يعرف حق المعرفة إلا باللسان، ثم لا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا ينطقه ولا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفه عن كل ما يخشى غائلته من عاجله وآجـله.

وقد يتساهل كير من الاحتراز من غوائله وهي كثيرة متعددة، يرغي ويزبد فيها اللسان، وهو كالمنجل يقطع ويخرق ويجرح، وصحبه لا يبالي من جرح ومن قطع ومن قتل، فترى الغيبة والنميمة وهي من الأخلاق الذميمة، يطلقها اللسان وتخرج منه كالأفعى الرقطاء.

والكذب وفحش القول والمراء والجدال، كل أولئك آفات لا يجني الإنسان من ورائها خيرًا، إنما يكسب بها إثمًا وضررًا، وهي لا تصدر إلا عن السان، ففي الأمثال قالوا: «ما فيك يظهر على فيـك».

والغيبة ذكرك أخاك بما يكره. قالوا: ولو في وجهه، وهي والعياذ بالله أخطر آفات اللسان، وكفاها ذمًا وقبحًا أن شبهها الله- تعالى- في الكتاب بأكل لحم الميتة، قال تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ) (الحجرات: من الآية12).

ويقول الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم-: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه يتتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» [مسند الإمام أحمد- عن أبي برزة الأسلمي- رضي الله عنه].

وعلاج هذه الآفة الضارة «أن يعلم الإنسان ويشعر نفسه دائمًا بأنه إذا اغتاب يكون معرضًا للسخط من الله- تعالى- والغضب، ويستحر أن الغيبة محبطة للحسنات يوم القيامة، وما أفقر العبد إلى حسنات كثيرة في ذلك الموقف يوم كشف الحساب تقيه أهوال العذاب.

وفي النميمة إفشاء للسر، وهتك للعرض والستر، ونقل الكلام للإيقاع بين الناس، وهي من أشد الآفات ضررًا، وأبلغها أثرًا في تصدع وحدة المجتمع، وخلق الفرقة والشتات بين الإخوة والأحباب والأصدقاء والأهل والأقرباء، فهي داعية للتفرق، وعامل للتشتت، ومعول للهدم في صرح الأمة الواحدة.

قال- صلى الله عليه وآله وسلم- في بيان سوء صاحبها:

«ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى. قال المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب» [في شعب الإيمان، عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية].

وكما يجب عليك أن تصون لسانك من الوقيعة بين الناس يجب عليك أن لا تسمع لقول نمام، فإن النمام لا يكون صادقًا، ومن الإثم أن تسمع الكذب.

روي أن سليمان بن عبد الملك كان جالسًا عنده الزهري، فجاءه رجال، فقال يا سليمان: بلغني أنك وقعت فيّ وقلت كذا وكذا.

فقال الرجل: ما فعلت ولا قلت.

فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق.

فالتفت الشيخ الزهري وقال: لا يا سليمان. لا يكون النمام صادقًا.

فقال له سليمان: صدقت يا شيخ.

ثم قال للرجل: اذهب لحالك بسلام.

وأنت أيها المسلم إذا قبلت قول النمّام قد آذيت نفسك بضيق صدرك مما سمعته، وربما أخذت مأخذًا آخر على الذي تقول عليه وأضمرت له الشر أو المقاطعة، وأخذت في نفسك منه بدون تدبر لمجرد الاستماع إلى النمّام، وربما يكون غرضه التفرقة والخصام، ثم إنك شجعته على إثمه، ثم إنك لا تأمنه أن ينقل عنك الرد أو يتقوله عليك، فقد قيل: «من نم لك نم عليك». ولابد للإنسان من أن يتدبر العاقبة فلا يقع فيما يغضب الرب، ويكثر الذنب.

والكذب ولو مزاحًا هو من فواحش العيوب، يسقط الهيبة، ويبهت الوجه، ويودي بالشرف، ويزري بصاحبه، ويسلب منه ثقة الناس فيه، ولا يزال الكذاب يطلب لسانه بالكذب حتى يُعرف به، فلا يسمع له حديث ولو كان صادقًا إلى أن يُكتب عند الله كذابًا.

قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا» [رواه البخاري في صحيحه- كتاب الأدب- من حديث أبي وائل عن عبد الله].

وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «إن العبد ليكذب الكذبة فيتباعد المَلَك مسيرة ميل من نتن ما جاء به» [سنن الترمذي- البر والصلة- عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنه].

وهو آية من آيات النفاق، حيث قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» [رواه البخاري في صحيحه- كتاب الإيمان- عن أبي هريرة- رضي الله عنه]. والكذب أنواع متعددة كما جاء في الحديث [رحم الله رجلاً حفظ لسانه مما يغضب الله والناس».

وقد جعل سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- النجاة في حفظ اللسان عندما سأله الصحابي قائلاً: ما النجاة يا رسول الله؟

«فقال له: أمسك عليك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك» [رواه أحمد في المسند، والترمذي في سننه عن أبي أُمامة عن عقبة بن عامر- رضي الله عنهما].

الإخـوة المؤمنون :

جاء في الأثر أن لقمان الحكيم طلب من ابنه ذات يوم أن يذبح له شاة ويأتي له بأحسن قطعة لحم منها فأحضر له اللسان، ثم طلب منه أن يحضر له أسوأ قطعة لحم منها فأحضر له اللسان.

ومدلول هذه القصة التي تناقلتها الروايات المتعددة أن اللسان نعمة عظيمة من نِعَم المولى عز وجل إن صانه صاحبه. فقد جاء في الأثر «لسانك حصانك إن صنته صانك وإن أطلقته أهانك».

فأطلق لسانك يا عبد الله في ذكر الله واجعله رطبًا به، وأقرأ به القرآن فإنه نور على الصراط وفي القبر، وأفد به علمًا ونصحًا لعباد الله، فالكلمة الطيبة صدقة، ما أكثر ما يُستفاد من اللسان إن نطق أو سكت!!

قال عبد الله بن مسعود «والذي لا إله إلا هو ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان».

ويوصي رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- في وصية لأبي ذر- رضي الله عنه-: «عليك بطول الصمت» [في شعب الإيمان عن أبي ذر- رضي الله عنه].

فاللسان السائب حبل مرخي في يد الشيطان يصرف صاحبه كيف شاء، فقد قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» [مسند أحمد- عن أنس- رضي الله عنه].

ويقول- صلى الله عليه وآله وسلم-: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتائب حبيب الرحمن».

اسألوا الله العفو والعافية فإن الله يحب أن يُسأل.


الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أحصى كل شيء، وهو الرقيب على كل شيء، وهو العليم بكل شيء.

وأسهد ألا إله إلا الله. قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18).

يحصي الكلمات، ويسجل العبادات، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

وأشهد أن سيدنا ومولانا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا بن عبد الله، رسول الله وعبده وخليله ورحمته المهداة للعالمين. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الذين ما فرغت ألسنتهم عن ذكر الله حتى لقوا الله.

أيها الأخ المسلم:

بعد تلك المقدمة الطويلة عن خطر اللسان وأثره في المجتمع إذا أطلقه صاحبه بقول كل شيء بدون وعي وإدراك؛ علينا أن نعي وأن نعرف أن مسئولية الكلمة عظيمة وخطيرة، ولخطورتها حذرنا رسول الله- المربي والمعلم- صلى الله عليه وآله وسلم- من أن نحدِّث الناس بكل ما نسمعه أو نعرفه فقال: «كفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّث بكل ما سمع» [رواه مسلم في صحيحه عن حفص بن عاصم، ورواه أبو داود].

والمؤمن الحق يفكر قبل أن ينطق، فقد تكون كلمة واحدة سببًا في تدمير أمة بأسرها، ومن تبع سيرة الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم- يدرك مدى أهمية الكلمة فلا ينطق إلا بما هو ضروري أو لمصلحة.

«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» [رواه مسلم والبخاري بنحوه].

هذا توجيه نبوي كريم من صاحب الوحي العظيم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

ويقول الإمام عليّ- كرم الله وجهه-: «اللسان العاقل وراءه قلب عاقل».

وليس كل ما يُسمع يُقال، وليس كل ما يُسمع يُنشر.

أيها المسلمون :

إننا نعيش في هذه الأيام حالة حرب نفسية مع الدول الصليبية ومن سلك طريقهم ونهج نهجهم، والاتفاق ظاهر على محاربتنا في إذاعاتهم المأجورة الكاذبة. تطلق الإشاعات والأكاذيب والافتراءات، تحاربنا ببث الإشاعة الضارة فتكيل التهم وتخلق الأحداث الكاذبة والأقاويل، كل ذلك يحدث من إذاعة إسرائيل وسوريا وليبيا ولندن صباح مساء، وفي إذاعة الانفصاليين حشدوا لها المرتزقة والمأجورين، هذه الإضاعات للأسف وجدت من يسهر عليها سماعًا، ويقف أمام مفتاح الراديو يقلبه شرقًا وغربًا ثم يخرج صباح يومه إذاعة متنقلة لإسرائيل، وإذاعة متنقلة للندن، وينشر السموم بدون وعي ولا إدراك: لندن قالت كذا، وكذا قالت… وهو بذلك يعمل أخطر عمل ضد وطنه وأهله، وإن مثل هذا العمل وهذا النشر يفتت وحده الجبهة الداخلية، ويجعل الناس تعيش في هلع من الأكاذيب.

إن سلامة الجبهة الداخلية من الإشاعة الكاذبة ومن مداخل الحرب النفسية أمر هام، والدول العالمية عندما تكون في مثل ما نحن فيه تحرم على شعوبها سماع إذاعات الدول المناوئة، وقد كان ذلك في أيام الحرب لا تسمع محطة ألمانيا ولا إيطاليا، فعلينا أن نعي ونسمع ونقول: إن الحرب النفسية من أخطر الحروب لتفتيت الجبهة الداخلية، فنقل ما تقوله الإذاعات المناوئة في المجتمعات، والقهاوي، وتحت البراندات من أخطر العوامل التي تسبب الذعر والهلع في نفوس البسطاء.

أيها المؤمنـون :

إن بلادنا تمر بأخطر مرحلة في تاريخها، وهي مرحلة الاعتماد على النفس، ونحن نطبق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن ترضى علينا الدول الصليبية، فهذا قدرنا والله معنا والله ناصرنا، وعلينا أن نتمسك بهدي رسول الله، ونقدر مسئولية الكلمة فهي تهوي بصاحبها إلى النار، ولا يكب الناس في النار إلا حصائد السنتهم.

وصلوا على نبيكم فالصلاة عليه ذخر وزاد.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد صاحب الخُلُق العظيم، والقدر العظيم، وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

اللهم ارزقنا لسانًا رطبًا بذكرك وشكرك.

اللهم اعقد ألسنتنا عن اللغو الفاحش.

اللهم انصرنا بنصرك العزيز، واجعل اتكالنا عليك لا على غيرك، وامنحنا عفوك ورضاك يا أرحم الراحمين.

عبـاد الله :

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90).

من دروس الإمام الجعفرى بالأزهر الشريف

الحج

في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِين َ ãفِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 96، 97].

بمناسبة موسم الحج – ذلك الفضل الكبير من الله العلي القدير على الأمة الإسلامية، والله – سبحانه وتعالى – عليم بخلقه وأحوالهم، وأنهم يخطئون ويذنبون وأنهم في حاجة إلى كفارات تكفر السيئات، وتغفر الخطايا، ففرض فراضه على عباده لحكمتين:

الأولى: تطهير العباد من الذنوب.

الثانية : يدخلهم بها الجنة.

وهذا من حكمته – سبحانه وتعالى -، علم بذنوب خلقه، واحتياجهم بعد الموت إلى دور يسكنونها، ورزق يأكلون منه، فكتب الفرائض، وجعلها كفارات للخطايا، وسبباً في سكنى الجنة، وراحة للعباد بعد الموت.

ذلك هو التشريع الذي سمى صاحبه نفسه العليم الحكيم، وهو لا يخطئ، ولا يخلو تشريعه من الحكمة، في الدنيا والآخرة، فالمشرع – سبحانه وتعالى – هو رب الدنيا والآخرة، وهو المشرع للعالمين، فلا يجاوز الصواب تشريعه.

وأما الذين يشرعون من دونه فلا يعلمون شيئاً، وفاقد الشيء لا يعطيه، كيف يشرعون وهم لا يخلقون؟ كيف يشرعون وهم في بُعد عن العباد، لا يعلمون ما في قلوبهم، ولا أرزاقهم ولا موتهم ولا حياتهم؟، فالمشرع من دون الله مغتصب، ولا ينفع تشريعه أحداً، لأنه عادى المشرع الحق فيما يقول، ولأن لازم المقدمات بحسب المقدمات آت، وإذا كانت المقدمات كالخيال، فقد سبقتها لوازمها بكونها من الخيال أيضاً.

أما الخالق – سبحانه وتعالى – فتشريعه مليء بالحكم الدنيوية والأخروية، وقد شرع الله – تعالى – الحج، وأودعه حكماً كثيرة، ومنافع عديدة، لا يحصيها مخلوق، ولا يمكن لمخلوق أن يدرك أسرار الحج كلها.

ولما كان الحق – سبحانه وتعالى – منزهاً عن الجهة والمكان، فقد بنى بيتاً، ونسبه إليه، فتشرف البيت بنسبته إلى الله – تعالى – وسماه «البيت العتيق» أي القديم الذي تشرف منذ أمد بعيد، والمسلمون إذا وصلوا إليه طافوا حوله، فما الحكمة في ذلك؟

يعلمهم الله – سبحانه – أنه ليس كمثله شيء، فمن ذهب ليبت دخل على صاحبه من الباب
(وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)[البقرة: 189] – هذا للمخلوقين.

أما الخالق – سبحانه وتعالى – فلا يؤتي من باب، والله سبحانه وتعالى ليس بظرف ولا مظروف، فجعل عباده إذا جاءوا يطوفون حول البيت. وهذا لا يتأتى لأحد سوى الله – سبحانه وتعالى – فلا نطوف ببيت مخلوق أبداً، بل لله – تعالى – وحده، وذلك إشارة إلى أنه ليس لله تعالى – زمان ولا مكان فإذا طفنا حول بيته (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)[البقرة: 115] – أي هناك وجه الله أينما توجهتم: يميناً أو يساراً فالله معكم.

فبيت رب الأرباب ليس كبقية البيوت، وإنما هو رمز وامتحان لعباده، يذهبون للبيت امتثالاً للأمر، وهو تعالى هنا.. هنا.. هناك.. هناك، ويكون الذهاب اختباراً للإيمان، ونطوف حول البيت في حالة شهود رباني، والطائف بالبيت يعتريه حال لا يعتريه في مكان آخر، وفي عبادة أخرى، فقلبه يشعر بالقرب الرباني، فيتلقى أسراراً عليا، ويشعر بخضوع وخشوع لله – تعالى – (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)[الأنفال: 2]، ومعنى «آياته» أدلة وعلامات تدل على وجود الله – سبحانه وتعالى -، ومن أجل الآيات: القرآن الكريم، فهو آيات عظيمة تدل على وجود الله، والبيت العتيق آية كبرى من آيات الله، فإذا وصلت إلى البيت، وطفت به، لمت أنه ليست له جهة، ولا تمسه الأيدي، ولا تدركه الأبصار. سبحانه خلق الخلق وجعل لهم صفات، وتنزه أن يتصف بصفة من صفات خلقه – ملائكة وإنساً وجناً – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والإنسان يحترم الإنسان إذا استقبله، فيستلم يمينه وقد يقبل هذه اليمين احتراماً، والمؤمن يستلم الحجر الأسود، ويقبله، تعظيماً وإجلالاً لله – تعالى – كلما سمع حديث المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – ذلك الحديث الذي قرأته في «النهاية» لابن الأثير.

«الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده» ورواه الخطيب البغدادي وابن عساكر عن جرير، وإنما قبله النبي – صلى الله عليه وسلم – لما علم أنه بمنزلة يمين الله في الأرض، هذا الكلام قاله ابن الأثير، وما رأيت إنساناً تكلم بمثل هذا الكلام، تعالى الله عن يمين، وإنما المعنى في التقبيل: الاحترام والتعظيم، هذا حجر؟ نعم، أقبله احتراماً وتعظيماً لله – تعالى -، وهذا البيت مبني من حجار؟. نعم! أطوف به احتراماً وتعظيماً لله – تعالى -.

أما عن سيدنا عمر – رضي الله عنه – فعندما استلم الحجر وقبله رأى حوله من المؤمنين من كان حديث عهد بالإسلام، وكانوا من زمن قريب مشركين يعظمون الحجارة، فأراد أن يفرق بين احترام المسلمين للحجر، واحترام المشركين له، فقال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ثم أراد أن يتبرأ من حوله وقوله وأن يبين أنه ليس مشرعاً، فقال: ولولا أنني رأيت رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يقبلك ما قبلتك.

فمقالة عمر الأولى إنما هي للتفريق بين المسلمين والمشركين، وليسمع عبدة الحجارة أن المسلم بتعظيمه للحجر الأسود إنما يعتقد أنه لا ينفع ولا يضر بشيء، ولكن إنما يقبله احتراماً وامتثالاً لشريعة الله والرسول، فالتقبيل سنة.

فيا معشر المسلمين: قبلوا الحجر الأسود من أجل العمل بالسنة، والناس اليوم يحرفون كلام عمر – رضى الله عنه – ويزعمون أنه ينهي عن زيارة الأولياء!! كما زعموا أن شجرة بيعة الرضوان قطعت حتى لا يعظمها الناس.

وقد رأيت في صحيح مسلم بشرح النووي أن الصحابة جاءوا في العام التالي للبيعة فضلت عنهم الشجرة – أي لم يهتدوا لمكانها – وهذا معناه أنها لم تقطع.

وهذا الحديث بإسناد صحيح، ولم تحدث فتنة بين الصحابة أبداً، فقد تلقيت عن الشيخ عبد المجيد اللبان في التفسير أن الصحابة – رضوان الله عليهم – قد ثبت فضلهم بالآيات القرآنية المتواترة، وهذا لا ينقضه إلا المتواتر مثله فلا نعتقد في الصحابة إلا ما وصفهم الله – تعالى – به، ولا نتكلم في سلوك الصحابة ولا في أخلاقهم، إلا إذا جاءنا حديث صحيح متواتر.

قال – تعالى -: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)[الأنعام: 38] ، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ )[البقرة: 134]. لم تحضروهم، وماتوا من قبلكم، (لها ما كسبت)من الخير، (ولكم من كسبتم)

فهذا أحسن حديث وأحسن جواب.

حديث: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -:

«الله الله في أصحابي – يذكرنا بهم – لا تتخذوهم غرضاً من بعدي» [رواه الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن فضلة المزني]. يعني: لا تغتابوهم، ولا تتكلموا فيهم بما لا يليق.

وقال العلامة الشيباني في منظومته:

وأن قاتلهم ومقتولهم             في جنة الخلد قد خُلّدا

فمن أنت حتى تتكلم عن الصحابة؟، قل يا أخي: رضي الله عنهم.

قال – صلى الله عليه وآله وسلم -: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» [رواه الطبراني في الكبير عن ابن عمر].

وذلك في غير المدح وذكر الخير في حقهم، إذا ذكر الصالحون فحيهل بعمر، وبذكرهم تتنزل الرحمات: تتنزل عليك وعليهم، وإذا اغتبت ميتاً ينزل العذاب للمغتاب، ولا يصيب الميت شيء.

(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) لم تكن هناك بيوت في الأرض للعبادة، فأولها بيت الله (الكعبة)، وقد بنته الملائكة، (الذي) هو موجود (ببكة) تسمى بكة ومكة، فهي تبك الجبارين عنها أي تدفعهم كما بكت أصحاب الفيل، وتسمى كذلك: أم القرى. (مباركاً) فيه بركة، وما هي البركة؟: عندما تنزع حديقة فيها فاكهة، وتقول: يا عباد الله: كل من يدخل يأ:ل كما يحب بلا حساب، فإن الناس يدخلون خماصاً، ويعودون بطاناً، ومعنى (مباركاً): فيه بركات كثيرة جداً، فمن جاء مذنباً أخذ المغفرة، ومن جاء فقيراً أخذ الغنى، ومن جاء ضالاً أخذ الهدى، ومن جاء غضوباً أخذ الحلم، ومن جاء بعيداً عن الله أخذ القرب، ومن جاء بخيلاً أخذ الكرم، ومن جاء سيئاً أخذ الإحسان، فهو مكان فيه بركات لكل من جاء من العباد والبركات في البيت العتيق لا ترى بالنظر، بل تدرك بالقلب والعقل فهي روحانيات رحمانية، فإذا وصلت طارت إليك كالطير فيملأ قلبك بالنور والحكمة، (مباركاً وهدى)، فالهدى هو تلك الأسرار التي تهبط على قلبه، فتهديه إلى الله ( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ )[النور: 35].

(للعالمين): تدل على ما سوى الله، والمراد به ها هنا المؤمنون، لأن الكفار لا مكان لهم فيها، قال – تعالى -: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [التوبة: 28] (فيه آيات بينات): سبحان الله، قد بين المقصود بالعالمين، حتى لا يسأل أحد فيقول: هذه الآيات: أهي للصالحين أم للمتقين؟ بل هي للعالمين كلهم ولو كان ذلك الزائر من الفساق، فهذه حكمة من الله –سبحانه وتعالى-.

وهذا البيت بيت الملائكة أولاً، ووضعوا الحجارة في أساسه، ثم بنوا فوقها، فلما جاء الطوفان
–نقض نوح- عليه السلام- حجارة البيت حتى لا يجرفها الطوفان، ثم أخذ الحجر الأسود ونادى جبل أبي قبيس أن خذ هذا الحجر، واحفظه حتى يأتي إبراهيم –عليه السلام- فأعطه له.

ثم جاء إبراهيم –عليه السلام-، فأمر بحفر موضع البيت، فأخذ يحفر هو وابنه إسماعيل –عليهما السلام- في الموضع الذي حدده جبريل –عليه السلام-، حتى ظهر الأساس (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [البقرة: 127]. يرفعانها: يظهرانها من الأرض، ولقد أخبرنا الله –تعالى- أن الذي بنى البيت هو إبراهيم، فلما ظهرت القواعد أخذ يبني فوقها، فلما ارتفع البناء جاء بحجر ووقف عليه، فكان الحجر يرتفع به ويهبط –كالمصعد- فقد أوجده الله –تعالى- لإبراهيم من قبل أن تخترعوه، وكلك المنطاد أوجده لسيدنا سليمان قبل أن يخترعوه، والقنابل أوجدها لأصحاب الفيل، واللاسلكي أو الراديو – أوجده لسيدنا عمر بن الخطاب فتكلم وسمع المخاطب كلامه على بعد مسيرة شهر كامل!

فكان الحجر يرتفع بسيدنا إسماعيل، ثم يهبط به مرة أخرى، فالبناء كان إبراهيم والمناول هو إسماعيل. والمهندس هو جبريل بأمر الملك الجليل.

ولما تم البناء وقف سيدنا إبراهيم على الحجر، فغاصت قدماه في الحجر الصلب وهذا الموضوع موجود إلى اليوم، وهو مقام إبراهيم، وهو ليس بمقام الدفن فهو مدفون في مدينة الخليل، وإنما المقام مكان الوقوف، والله – سبحانه وتعالى – يكلمنا ويعلمنا أن الباني إبراهيم، والعلامة هي أثر قدميه في الحجر (فيه آيات بينات) : فيه علامات دالات على صدق كلامي بأن الباني إبراهيم، والعلامات هي مقام إبراهيم – مكان قدميه – عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-.

ولقد سمعت كلاماً واضحاً من الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – قال: أنا وضعت الماء مكان قدمي سيدنا إبراهيم وغسلت وجهي وشرب منه، ولما ذهبت لبيت المقدس وضعت الماء في مكان قدم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وقارنت بين الاثنين، فوجدت مقاربة في الطول والعرض بين القدمين.

وفي حديث الإسراء والمعراج – الذي رواه البخاري – أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «ورأيت إبراهيم الخليل مستنداً إلى البيت المعمور وإذا أشبه الناس به صاحبكم» فالشيخ الشنقيطي – رحمه الله – صادق في كلامه.

(آيات): علامات دالات على صدق القول، فالمكان الذي أثرت فيه قدما إبراهيم – عليه السلام – باق إلى يوم القيامة.

(وَمَنْ دَخَلَهُ ) : أي البيت الحرام، (كان آمناً)وكلام الله – تعالى – لا يبدل (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الأنعام: 115].  هذا حكم الله، فمن دخله كان آمناً من مخاوف الدنيا والآخرة، وهذا من أسرار الحج، وهذا الأمن جعل بعض الأئمة يرى ألا يقام الحد على أحد وهو في الحرم، ورأى البعض الآخر أن يضيق عليه حتى يخرج من الحرم، والبعض الآخر قال: يقام عليه الحد. فقد ورد فى صحيح مسلم عن عمرو بن سعيد أنه قال: «إن الحرم لا يعيذ عاصياً، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة»، والخربة هي سرقة الإبل وتطلق على كل خيانة، وقد تلقيت ذلك عن فم الشيخ السمالوطي الذي قرأه في صحيح مسلم.

(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وقرئ – بفتح الخاء – في قراءة ومعناها أن الأمم السابقة كانت تصلي فيه، وشرع ما قبلنا شرع لنا، ما لم يرد ناسخ.

ومعنى قراءة الكسر: أي صلوا فيه، فما هي درجته ومنزلته لنصلي عنده؟ لأن فيه أثر خليل الله – عليه السلام – مكان قدمي سيدنا إبراهيم الخليل والله – سبحانه وتعالى – قد احترم هذا المكان وعظمه، وأمر عباده أن يتخذوه مصلى، وأمرهم بالدعاء عنده، فهو يقبله إكراماً للخليل – عليه السلام – ولأثره – عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام -، والله – سبحانه وتعالى – رفع قدر الأنبياء وآثارهم في أي مكان جلسوا فيه، أو ساروا عليه. والصلاح والتقوى من عند الله – سبحانه وتعالى -.

وفي رحلة الإسراء قال جبريل للنبي – صلى الله عليه وآله وسلم -: انزل صل ركعتين ها هنا، فنزل وصلى، ولما فرغ من صلاته قال له جبريل: أتدري أين صليت؟ قال: لا، قال: صليت عند الشجرة التي استراح إليها موسى بعدما سقي لابنتي شعيب، فاستراح عندها من التعب، وقال:
(رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)[القصص: 24].

أي إنني فقير إليك في هذه الساعة لما أعطيتني من خير فيما مضى، فأعطني من فضلك الذي لا ينقطع.

وقال الشيخ الدردير – في حاشيته على قصة الإسراء والمعراج لنجم الدين الغيطي:

من هذا الحديث يؤخذ جواز التبرك بآثار الأنبياء والصالحين لأن المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – نزل من على البراق من أجل قطعة الأرض التي جلس فيها موسى بن عمران، احتراماً وإكراماً له، وشكراً لله – تعالى -.

ويكرم الرجل إذا كان أبواه صالحين، أوجده، قال الله تعالى في شأن اليتيمين صاحبي الكنز:
(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) [الكهف: 82]، قال ابن عباس – رضى الله عنهما – كان الصالح – هو جدهما التاسع، فربنا – سبحانه وتعالى – قد احترمهم وأكرمهم من أجل الجد التاسع.

إبراهيم وإسحاق وسارة – عليهم السلام – مدفونون في فلسطين، هم وكثير من الأنبياء، كيف دفنوا؟ سبحانك! قولوا: سبحان الله! هناك جبل عال أعلى من المئذنة – وهذا الجبل متسع من أعلاه، وفي وسطه باب منحوت، يدخل منه ثلاثة نفر مجتمعين، وإذا نظرت في هذا الباب شممت رائحة طيبة، ولا ترى شيئاً، بل هو مكان عميق مظلم – هذه هي مقبرة سيدنا إبراهيم وسارة وإسحاق، وقد بنوا مسجداً على هذه الفتحة وجعلوا لهم مقامات – على الظن – أو اليقين، والقبور تحت المقامات ولا يمكن لمخلوق الوصول إليها، وحدث أن ربطوا رجلاً إيطالياً وأنزلوه في تلك الفتحة، فخرج منها أصم أبكم أعمى!!.

ثم قيل بعد ذلك: إن سيدنا يوسف – عليه السلام – هو صاحب القبر الموجود أعلى الفتحة، لأن سيدنا يوسف دفن بمصر، ثم لما جاء الفيضان غطى الصندوق، وفي زمن موسى – عليه
السلام – أمر بنقله إلى فلسطين فبحث عن قبره، فدلته عليه امرأة عجوز، فدعا لها بالجنة، فقد روى يونس بن عمران عن أبي موسى قال: نزل رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بأعرابي، فأكرمه فقال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أكرمتنا فأحسنت، سل حاجتك، فقال: ناقة نرحلها، أو عنز تحلبها أهلي، فقال – صلى الله عليه وآله وسلم -: «أعجز هذا أن يكون مثل عجوز بني إسرائيل، فقالوا: يا رسول الله: وما عجوز بني إسرائيل؟، فقال:

«إن بني إسرائيل لما خرجوا ضلوا الطريق، وأظلم عليهم الليل، فقالوا: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضرته الوفاة أخذ علينا موثقاً من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال موسى: فمن يعلم موضع قبره؟، قالوا: عجوز لبني إسرائيل، فبعث إليها موسى فأتته فقال: دليني على قبر يوسف فقالت له: وتعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: أن أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها حكمها، فأوحى الله إليه: أعطها حكمها، ففعل. [قصص الأنبياء للثعلبي].

فنقل موسى عليه السلام يوسف عليه السلام في صندوق خشبي إلى فلسطين، حيث دفن مع سيدنا إبراهيم – عليهم جميعاً السلام – ولا يفعل موسى – عليه السلام – ذلك إلا بوحي من الله تعالى.

فاعلموا وتعلموا من احترام الله – تعالى – لعباده الأنبياء – أحياءً وأمواتاً – واقرأوا قوله
–تعالى- : (مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ) [سـبأ: 14]، فإن الجن كانوا يدعون علم الغيب، وكانوا يبنون بيت المقدس، وكانت قد بقيت سنة على إتمام بنائه، فلم تعرف الجن بوفاة سليمان – عليه السلام – لأنه كان مستنداً إلى عصاته سنة كاملة – إلى أن انتهى البناء.

فدلت الآية على حفظ أجساد الأنبياء، ولو كان الواقف غير سليمان لتمزق جسده وتحلل.

والآية الأخرى:  (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ã لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات: 143، 144]. ولقد جاء الأنبياء لليلة المعراج إلى بيت المقدس بلحاهم وأجسادهم وملابسهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، وثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، منهم خمسة وعشرون ذكروا في القرآن الكريم، نعرفهم، كله حضروا، وصلى بهم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إماماً.

يقول العارف بالله: السيد أحمد البدوي – أحد أقطاب التصوف – في صلواته:

«من اندرجت النبيون تحت لوائه، فهم منه وإليه».

اللواء: الراية – أو البيرق -، ويوم القيامة تكون بيد على بين أبي طالب والحسن عن يمينه، والحسين عن شماله، وكل نبي أو رسول، كلما رفع رأسه وجدها فوقه، ولهذا قال: «أنا سيد ولد آدم قيوم القيامة ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي» رواه الترمذي.

فقول السيد البدوي «فهم منه» أي إنهم في الحقيقة خلقوا من نوره. وما اتخذ الله – تعالى – من ولي جاهل، فالله – تعالى – إذا تجلى على العبد أعطاه الولاية وأعطاه العلم، فهم أهل القرآن والحديث والدين.

يقول عمر بن الفارض:

وفي ساعة أو دون ذلك من تلا          بمجموعة جمعي تلا ألف ختمة

أي يتلو القرآن ألف مرة، ومن هذا نعلم أن الأولياء يزيدون في فهم القرآن والأحكام والحديث كثيراً عن غيرهم.

والله – سبحانه وتعالى – يتجلى على الولي في الظاهر والباطن، فعلم الحقيقة كالشجرة، والبطان كالظل، ولا ظل بغير شجرة يستظل بها صاحبها.

(ومن دخله) أي الحرم، وأما البيت فلم نؤمر بالدخول فيه، ودخله النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وصلى فيه.

قال عبد الله بن عمر – رضى الله عنهما -: دخلت البيت وسألت بلالاً: أين صلى رسول الله
– صلى الله عليه وسلم – ؟ فدلني على المكان، ولم أسأله كم صلى من الركعات بل سألته عن المكان فقط.

س: رجل قتل رجلاً ثم ذهب ليحج ودخل الحرم فهل تقبل توبته؟

ج: قال الله – تعالى -:  (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ) إلى قوله:  (إِلا مَنْ تَابَ) [الفرقان: 68-70]، فلو تاب في بلده يغفر الله له، فكيف إذا دخل الحرم؟.

وقد أجمع العلماء على أن القاتل له توبة بنص الآيات السابقة.

(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) [النساء: 116]. إذا أسلم المشرك يغفر الله له ما أسلف، قال الله – تعالى – : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)(لأنفال:38). فكيف بالمسلم إذا تاب؟! (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) [الزمر: 53] ولو لم يحج المذنب، فكيف إذا حج؟

ورجل ظلم رجلاً، ثم تاب، ولم يأخذ المظلوم حقه في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة ذهب المظلوم إلى المحكمة – محكمة العدل الإلهية – يشكو الظالم، فيُجاء به وقد حج وصام وصلى، ولكن من حق الظلوم أن يأخذ حقه من الظالم في ذلك اليوم فيأخذ بيد الظالم، ويقف أمام الملك – سبحانه – ويقول: يارب: هذا الرجل لي عنده كذا وكذا والظالم يتوجه بقلبه إلى الله: يارب: أنا قد تبت إليك في الدنيا، ولن يخلصني من هذا الموقف إلا أنت سبحانك، وقد حججت وصمت وتبت إليك، وبينما الظالم والمظلوم في هذا الموقف بين يدي الله – سبحانه وتعالى – إذا هما يريان قصراً ما رأت العين مثله بين يدي الله – سبحانه وتعالى – إذا هما يريان قصراً ما رأت العين مثله في حسنه، وينادي مناد: هذا القصر لمن له مظلمة عند أخيه المسلم، ثم عفا عنه.

وعندما ينظر المظلم إلى القصر يعجب به، ويحببه الله – تعالى – فيه، فيقول يارب: إذا عفوت عن أخي نلت هذا القصر؟ فيسمع الإجابة: نعم، فيقول أشهدك يارب أني عفوت عنه.

يقول الشيخ الحفني – شيخ الشيخ الدردير -: هذا من تمام العدل الإلهي.

ربنا – سبحانه وتعالى – يُري المظلوم أنه لم يغفل عنه في الدنيا ولا في الآخرة، ويجعل الظالم يقف أمامه هذا الموقف في الآخرة، )وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً( [الكهف: 49] وأيضاً فإن الظالم الذي يتوب، فإن الله – تعالى – لم يضيعه، بل يكون معه حتى يدخل الجنة بتوبته وعفو المظلوم عنه.

ونحن لا نملك إلا أن ندعو ونقول: يارب: اغفر لنا وارحمنا وقنا شر الخطيئة.

لولاك لولاك ما اهتدينا          ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينــا          وثبت الأقدام إن لاقينا

وهذا هو نشيد حفر الخندق، وكان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يرد على الصحابة أيضاً بقوله: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة.

ولقد كان المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – مهاباً، ومحبوباً، تهابه الأسد الضواري وترتعد منه الملوك، قال سيدنا علي بن أبي طالب – في وصفه صلى الله عليه وآله وسلم – : «من رآه بديهة هابه، ومن خالطه مدة يسيرة أحبه، وقلبه يطمئن فلا يفارقه أبداً».

يا نائر الوجه يا من نور جبهته          يفوق للشمس والبدر الذي اتسقا

ويقول سيدي حسان بن ثابت:

له همم لا منتهى لكبارهـــا          وهمته الصغرى أجل من الدهر

وكان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يقول لحسان وهو ينشد الشعر وهو على المنبر: «قل وروح القدس (جبريل) معك».

وحسان – رضى الله عنه – هو الذي يقول:

وأجمل منك لم تر قط عيني             وأكمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرءاً من كل عيـب             كأنك قد خلقت كما تشاء

وقال غيره:

يا مصطفى من قبل نشأة آدم            والكون لم تفتح له أغلاق

أيروم مخلوق ثناءك بعدمـا             أثنى على أخلاقك الخلاق

قالت أقمار الدياجــــي             قل لأرباب الغــــرام

كل من يعشق محمــــد             ينبغــي ألا ينــــام

يا سلام على المحبين !

سيدي عبد الرحمن البرعي كان يمدح النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وكانت بينه وبين المدينة مسافة بعيدة، فجاءته الروائح الطيبة من الروضة الشريفة، فلما شمها، التفت يميناً وشمالاً، فلما لم يجد أحداٌ صال:

أنفحة طيب أم صبا طيبة هبــا            فأنعش قلبي للحبيب وقد لبـــى

وهيهات ما كل النسيم حجازيـاً              ولا كل نور يملأ الشرق والغربـا

تذكرني الأِشواق من لست ناسياً              فتجري دموعي في محاجرها صبا

وسيدي عبد الرحيم البرعي من المحبين المخلصين.

ومدح رسول الله فال سعادتي            أفوز به يوم السماء تمور

أي عنوان سعادتي، وإن شاء الله أفوز به يوم السماء تمور.

وقت الحلق أو التقصير:

1-    في الحج: بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، وإذا كان سيذبح هديتي، فإن التقصير أو الحلق بعد الذبح أفضل.

2-    في العمرة: بعد أن يفرغ من السعي بين الصفا والمروة.

ويجب أن يكون الحق – أو التقصير – في أيام النحر – وفي الحرم ويكون الحلق بالموس، والتقصير يكون بالمقص، والمرأة لا يجوز لها الحق وعليها التقصير.

مكان ذبح الهدي:

قال الله – تعالى –  : (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) [البقرة: 196].

عند المالكية: الذبح يكون بمنى أو بمكة، ولكنهم شرطوا لصحته أن يجمع فيه الحل والحرم، فإن اشتراه من الحل لابد أن يخرج به إلى الحرم والعكس.

ومذهب الإمام أبي حنيفة: يتعين أن يذبح في الحرم مطلقاً، ولو كان الهدي منذوراً، ويسن أن يكون الذبح بمنى.

وعند الإمام الشافعي: محل ذبح الهدي الحرم، ولكن الأفضل للحاج أن يذبح بمنى ولو كان متمتعاً.

والأفضل أن يذبح بمنى يوم العيد، ولكن إذا ذبح بمكة جاز على رأي الأئمة الثلاثة.

وعندما كانت أدخل مكة معتمراً، وبعد التحلل من العمرة كنت أذهب إلى جماعة من فقراء المغاربة مقيمين بمكة، فكنت أعطيهم الهدي (وكان كبشاً) وأعطيهم جنيهاً، ثم انتظر حتى يذبحوا ويأكلوا ويشربوا الشاي، وأقول: يارب هذا لك أنت.

ولقد ثبت أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – «نحر ثلاثاً وستين بدنة بيده الشريفة، ثم أعطى سيدنا علياً – رضى الله عنه – فنحر ما غبر (أي ما بقي منها) وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة [أي قطعة منها]، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا منها، وشربا من مقرها» رواه مسلم.

قال الإمام النووي: والظاهر أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – نحر البدن التي جاءت معه من المدينة، وكانت ثلاثاً وستين – كما في رواية الترمذي، وأعطى علياً البدن التي جاءت معه من اليمن فنحرها، وهي تمام المائة التي ساقها رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في تلك السنة.

فانظروا: كيف ذبح – صلى الله عليه وآله وسلم – مائة بدنة، ولم يتركها سدى، كما يفعل الناس اليوم، ولكن أكل من لحمها، وشرب من مرقها – جميعاً – للترغيب في الأكل من هدي التطوع وأضحيته.

ثم أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – علياً أن يقوم على بدنه، وأن يتصدق بلحمها وجلودها وجلالها على المساكين، وأن لا يعطي الجزار منها شيئاً، وقال له: «نحن نعطيه من عندنا» رواه مسلم.

مسألة في التحليل من الإحرام:

التحليل الأصغر:

يكون بعد رمي جمرة العقبة والذبح وحلق شعر الرأس، أو تقصيره، وعند ذلك يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام، إلا النساء، وبعد أن يطوف طواف الإفاضة يتحلل من إحرامه التحلل الأكبر.

والمرأة في ذلك كالرجل، سواء كانت بكراً أم ثيباً، أم متزوجة.

المبيت بمنى أيام التشريق:

قال الله – تعالى –  : (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)[البقرة: 203].

هي أيام التشريق الثلاثة التي يقضيها الحاج في منى ليلاً ونهاراً، فالمبيت بها واجب، والمكوث بها نهاراً مستحب، فمن ذهب إلى مكة، فلابد أن يرجع إلى منى ليبيت بها، فإن بات بعيداً عنها فعليه دم، لأنه ترك واجباً من واجبات الحج.

قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -:

«تمنت الملائكة النزول من السماء إلى الأرض ليذكروا الله في أيام معدودات» وإنما يظل الحاج في منى ثلاثة أيام ليرمي الجمرات الثلاث: الصغرى، والوسطى، والعقبة: ثاني يوم العيد، وثالث يوم العيد، كل جمرة بسبع حصيات، وهذا للقادر على الرمي، وأما من عجز عن الرمي، لكبر السن، أو مرض، أو ضعف، فعليه أن يوكل غيره ليرمي عنه، وعليه دم عند المالكية، وعند الشافعية: يوكل ولا شيء عليه – بشرط أن يرمي عن نفسه أولاً حتى يتم رمي الجمار الثلاث ثم يعود للرمي مرة ثانية، لما أخرجه ابن ماجة عن جابر – رضى الله عنه – قال: حججنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم.

فرض الحج:

قال الله – تعالى -: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران: 97]. أي أن الله تعالى فرج الحج على الناس. إنسهم، رجالهم ونسائهم، ولكن بشرط البلوغ، والعقل، والإسلام، فلا يجب الحج على صبي، أو مجنون، ولكن إذا حج الصبي فإنه يجوز له ذلك، ويحرم عنه وليه.

عن جابر – رضى الله عنه – قال:

«رفعت امرأة صبياً لها إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فقالت: يا رسول الله: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر» رواه الترمذي.

ولكن عليه أن يحج مرة أخرى إذا بلغ الحلم، لقوله – عليه الصلاة والسلام-: «إيما صبي حج ثم بلغ الحنث عليه حجة أخرى» رواه الطبراني.

أعمال الصبيان – لمن يكون الثواب؟

اختلف العلماء في أعمال الصبيان من صلاة وصوم وحج وصدقة وغير ذلك: فبعضهم قال: إن الثواب لأمه، وبعضهم قال: إن الثواب لأبيه، والثالث: أن الثواب يقسم بينهما، والرابع: أنه يدخر له إلى ما بعد البلوغ ثم يكتب له.

الاستطاعة في الحج:

أجمع العلماء على أن الاستطاعة شرط لوجوب الحج وسنة العمرة، كما أجمعوا على أنه يجب أن يكون عنده ما يكفي أولاده وأهله من نفقة وكسوة ومسكن إلى حين عودته حتى لا يضيعوا أو يلحقهم أذى شديد.

والاستطاعة – عند المالكية – هي: إمكان الوصول لمكة إمكاناً عادياً بمشي أو ركوب براً أو بحراً بلا مشقة فادحة، وأمن على نفس ومال له بال.

فإذا أمن على نفسه وكان له صنعة يرتزق بها، وتليق بمثله: كنجارة وخياطة وحلاقة وخدمة بأجرة، وكان قادراً على المشي: وجب عليه الحج.

وكذلك يجب الحج على من يمكنه الوصول إلى مكة بسؤال الناس، إذا كانت عادته السؤال، وظن الإعطاء.

والحج – عند المالكية – قيل واجب على التراخي، وقيل: واجب على الفور إذا توافرت الشروط. خاصة إذا خاف المكلف فوات الفرصة بوقوع عجز ونحوه.

والرأي الراجح أنه واجب على الفور لاسيما إذا بلغ المؤمن الستين أو قاربها، لأن رسول الله
– صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» رواه الترمذي وغيره.

قال الإمام حسن بن يحيى – وهو من علماء السلف الصالح – يستحب لمن توفرت فيه شروط الحج وكان غنياً أن يكرر الحج كل خمسة أعوام مرة. لما روي في الحديث القدسي أن الله
– تعالى – قال: «إن عبداً صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلىّ لمحروم» رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي.

س: ما حكم من سرق مالاً وحجَّ منه؟

ج: يسقط عنه فرض الحج ولكن لا ثواب له، بل عليه إثم السرقة وهو في هذا كمثل الشجرة التي لا تثمر.

ومثله من سرق ماء وتوضأ به وصلى. فقد سقط عنه الفرض وعليه ذنب السرقة.

ألفاظ السادة الصوفية بين السنة والبدعة

لفظة ” الشيخ ” بين القواعد الشرعية واستعمالاتها الصوفية

ترد كلمة “الشيخ” فى كلام العرب وهى تعنى عدة معان، أشهرها: المُعَمِّرُ الطاعن فى السن، قال ابن منظور فى كتابه “لسان العرب”: الشيخ : الذى استبانت فيه السن، وظهر عليه الشيب، والجمع: أشياخ، وشِيخان، وشيوخ، وقد شاخ يشيخ شيخاً ، بالتحريك، فهو شيخ، وأشياخ النجوم: هى الدرارر، قال ابن الأعرابى: أشياخ النجوم هى التى لا تتنزل فى منازل القمر المسماة بنجوم الأخذ، وفى اللسان أيضاً: الشيخ شجرة، وشيخ المرأة زوجها، وشيَّخه: دعاه شيخاً، تبجيلاً، انتهى كلامهم.

والذى يطالع كلام العرب يدرك أن لفظ “الشيخ” إنما يعنى الأصل الذى يرجع إليه، والكبير الذى يُعَوَّلُ عليه، وأكثر استعمالاتها فى المُسِن، قال أحدهم – يريد أن ينفى عن نفسه هذا المعنى – :

زَعَمَتْنِى شَيْخاً ولَسْتُ بِشَيْخٍ

 

إنَّما الشَّيْخُ مَنْ يدِبُّ دَبيباً

يريد أن ينفى عن نفسه ضعف الشيخوخة ووهنها؛ لأنه بالشيخوخة يعود الإنسان لسابق عهده الأول ضعفاً وعجزاً، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله – تعالى – : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾(الروم: من الآية54)، وفى الجملة فإن استعمال لفظ الشيخ فى أوضح معانيه وأبرز مقاصده: الكبير الطاعن فى السن، وقد كَثُرَ استعمال القرآن الكريم لهذا اللفظ بهذا المعنى مفرداً وجمعاً، قال الله – تعالى – على لسان السيدة سارة زوج الخليل – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – حين جاءته الملائكة تبشره بإسحاق على الكِبَرِ: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود:72)، وقال – تعالى – على لسان إخوة سيدنا يوسف – عليه السلام – : ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف:78)، وقالت ابنتا سيدنا شعيب – عليه السلام – كما قَصَّ القرآن الكريم: ﴿ قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾(القصص: من الآية23)، وجاء بنفس المعنى جمعاً كما فى قوله – تعالى – : ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ﴾(غافر: من الآية67).

ولئن استُعْمِلَ لفظ “الشيخ” فى الكبير المُسِنُّ إلا أنا انسحب على كل من كان كبيراً مُبَجَّلاً متقدماً فى العلم والفضل سواء كَبُرَ سنه أم لا، قال الراغب فى مفرداته عن الشيخ: (وأصله من طعن فى السن، ثم عبرواً به عن كل أستاذ كامل ولو كان شاباً؛ لأن شأن الشيخ أن تكثر معارفه وتجاربه)، وهذا هو مقصود الاستعمال الصوفى للشيخ، وهو أنه لا يُعوِّلُ على كبر السن بقدر ما يعول على ميراث البركة، وإجادة التربية بالحال، أو المقال، أو بهما معاً، ويجمع الناس عليه لله لا لنفسه عن طريقَىْ السر والبر و أحدهما.

والشيخ فى العرف الصوفى هو الدليل إلى الله – تعالى – وهو سبيل من سبله الموصلة إليه، شَيَّخَهُ الرحمن لبلوغه مقام الإحسان وحصوله على دقائق البرهان، فهو بهذا فى نظر مريديه ومحبيه مرآة الأكوان، ولسانه ترجمان الحنَّان المنَّان، ونظره إكسير الإيمان والإحسان والعرفان، قال ابن البنا فى مباحثه عن الشيخ وأهميته فى السلوك إلى حضرة ملك الملوك:

وإنَّما القومُ مسافرون
فافتقروا فيه إلى دليلٍ
عرف الطريق ثمَّ عادا

 

لحضرةِ الله وظاعنون
ذى بصر بالسير والمقيل
ليخبر القوم بما استفادا

 والشيخ بهذه الأوصاف لا غنى لسالك عنه، فلا يمكن للنفس أن تتربى وتزكو بنفسها، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (يوسف:53)، فبالشيخ يسلك السالك، وبالكبر والتعالى يهلك الهالك، بالشيخ يسلك المريد طريقه إلى مولاه، وعن طريق عباراته وإشاراته ونظراته يدرك أربه ومبتغاه، وإلى هذا يشيرون دائماً، قال شيخنا الإمام الجعفرى – رضى الله تعالى عنه – :

مَنْ أتى مِنْ غيرِ شيخٍ

 

ضَلَّ فى مَيْدانِ حربِ

ضلَّ فى حربه مع الشيطان، وقال الإمام الجعفرى – رضى الله عنه – أيضاً:

قالوا قديماً لِمَنْ لا شَيْخَ يَصْحَبُهُ

 

قَرِينُهُ دائماً يُدْعَى بِشَيْطانِ

وقال – رضى الله عنه – عن أهمية الشيخ فى التدرُّج إلى الرتب العالية:

فَبَابُكَ للمختار شيخك يا فتى
وبالسيِّد المختار تَرْقى إلى العلا

 

به الوَصْلُ بالمختار فى حَضْرَةِ القُرْبِ
ويُدْنيكَ من ربِّ الوجود بلا حَجْبِ

وإذا أطلق لفظ الشيخ فى العرف الصوفى قُصِدَ به الشيخ الكامل فى السلوك الوافى فى التربية الذى يجعله الله – تعالى – سبباً مباشراً فى حماية المريد من تغلب نفسه عليه إذا عرف حقه أدباً وحباً، وقام بتلاوة الأوراد والأذكار وظيفة وخدمة:

الشَّيْخُ يَحْمى مريداً جاء مُعْتَنِقاً

 

طريقَهُ ولأورادِ الطريق تلا

وقد ينطبق وصف الشيخ الكامل على عدة شيوخ فى الزمن الواحد، بل فى المكان الواحد، كلٌ فى بابه ومجاله وميدانه، غير أن المريد المبتدئ يلتزم شيخاً واحداً حتى تزكو نفسه كالمريض الذى لا يمكن أن يخلط بين طبيبين أو يمزج بين دوائين، وهذا هو المراد من قوله: (اعرف شيخك وأحب الكل)، وهو ما أشار إليه شيخنا الإمام الجعفرى – رضى الله تعالى عنه – فى نصائحه الغالية:

فأبو الطريقِ أبَى التَّعَدُّدَ مِثْلَما
فإذا رأيت أباً سواه فإنَّما

 

يأْبى التَّعَدُّدَ والدٌ لكَ كافِلُ
أنْتَ اللَّقيطُ .. وللَّقيطِ رزائلُ

هذا .. والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل

فى رياض الحِكَم الجعفرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله .

وبعـــد

فهذه عبارات رائقة، ومعان حسنة فائقة التقطناها من تراث الإمام الجعفرى ـ رضى الله عنه – قَصَدَ بها إيضاح طريق العارفين الموحدين، وإبانة مناهج السالكين والمتجردين، فليتدبرها القارئ لها، وليتأدب بآدابها، فإنها كلمات عزيزة نفيسة تنطوى على أسرار مصونة، وجواهر حكم مكنونة لا تكشف معانيها إلا بهم، ولا تتبين حقائقها إلا بالسير فى طريقهم كما أبان عن ذلك رضى الله عنه فى قوله :

” اعلم أن كلامنا كله فيوضات ربانية، فمتى قرأته بحبنا فقد حصلت لك النية، فمن عرفنا فقد عرف، ومن بحرنا غرف ” . {المعانى الرقيقة ص 159} .

وقال رضى الله عنه :

” الأولياء يُذَكِّرُونَك بالله تعالى بما لديهم من جواذب جَذَبَتْهُم، وروائح روَّحتهم، وعرفانٌ عرَّفَهُم، ونورٌ سطع منهم، وسرٌّ سرى إليهم، وفيضٌّ فاض عليهم، أنفاسهم عطرية، ونظراتهم روحانية، وأحوالهم مُحَمَّدِيَّة، جليسهم لا يَشْقَى، ومريدهم بهم يرقى “ .{ رسالة القواعد ص 181 }.

ولنشرع فى بيان ما قصدنا التنبيه عليه من كلامه ـ رضى الله عنه فى إيجاز يناسب المقام :

1 ـ قال رضى الله عنه : ” ما أكل الجيفة إلا كلب عقور، ولا ضل الطريق إلا من فقد النور “.{ المعانى الرقيقة ص 68 } .

ومما يعين على فهم هذه الحكمة ما قرره أهل المعرفة بقولهم : ” اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما خلق القلب جعله خزانة أسراره، ومعدن أنواره، وموضع نظره من عبده، ثم رمى على باب القلب أخس الأشياء وأقذرها وهما الدنيا والشيطان، قمن أراد الدخول لخزانة سر الله لابد من تغميض عينه عن هذه القذرة ” .

2 ـ وقال رضى الله عنه : ” من فـرق حجابه فقد طـرد الشيطان عن بابه “{ المعانى الرقيقة ص 113} . أى من فرق حجاب نفسه، وجاهد نفسه وهواه بذكر مولاه، والتعلق بحبيبه ومصطفاه، فقد طرد الشيطان عن باب قلبه، وصلح للدخول فى حضرة ربه، وإلا وقع فى شَرَك الشيطان، وكان بعيدًا عن حضرة الرحمن، كما أبان عن ذلك بقوله ـ رضى الله عنه :

3 ـ ” ما أسوأ حظ من تكاسل عن خير أخراه، وما أشغله عن ذلك إلا شيطانه وهواه “.{المعانى الرقيقة ص 83 } .

4 ـ ومما يتصل بهذه المعانى قوله رضى الله عنه :

” ما سر ظهر لمن إليها نظر، ولا كشفت الحجب لمن طلب فيها الرتب، ولا جالس أهل الحضرة الإلهية من جالس أهل الدنيا بالمحبة القلبية ” .  { المعانى الرقيقة ص 82 } .

وقد قرر أهل الفضل ” أن القلب شبهه شبه المرآة ينتقش فيه كل ما يقابله، فينبغى للإنسان أن يحفظ قلبه كحفظه سواد عينه، فليجانب مقاربة اللئام والسفهاء، وأصحاب الشرور، فإن أحوالهم تؤثر فى القلب، وتطفئ نور بصيرته، وينبغى لطالب الحق أن يقصد الأشياء التى تصلح قلبه، فإن لصلاح القلب أسبابًا ” .

ومنها ما ذكره ـ رضى الله عنه ـ بقوله :

5 ـ ” من علم أن الله تعالى يرقبه راقبه، ومن علم أن الله شهيد عليه  شاهده، فمن شاهده فله   الشهد وكان ممن أوفى بالعهد، ومن لم يشاهده كان كالبهائم لا يخشى لومة لائم فى فعل الآثام والجرائم، ومن أيقن أن الله يعلم ما فى نفسه خرج من عوالم نفسه، وشهوات عالم حسه إلى عوالم أنسه “ .{ رسالة القواعد ص 172 } .

6 ـ وقال رضى الله عنه : ” انْفِ عن نفسك ما سواه لترتقى، فما دخل الحضرة إلا القلب النقى، فإذا ظفرت بالنقاوة ذقت لذكر ربك حلاوة ” . { رسالة القواعد ص 175 } .

ولما كان طريق الوصول إلى تخليص القلب من السوى هو المجاهدة أرشد إليها فقال :

7 ـ ” من جاهد حق الجهاد فقد بلغ الوداد، ومن بلغ الوداد وصل إلى المراد”.{ المعانى الرقيقة ص 72 } . أى من جاهد نفسه وهواه فى طاعة مولاه كان موصولاً بحبه ووده إلى بيت رسول الله، قال تعالى : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: من الآية23).

ومن داوم على المودة والمحبة والطاعة والاقتداء، فقد بلغ مراده الذى هو الغاية والمقصود، والقرب من الرب المعبود فى حضرة الشهود . وقد وجه رضى الله عنه إلى الأسباب الموصلة إلى هذه الغاية فقال :

8 ـ “على قدر الإكثار ـ أى من الأذكار ـ تتزاحم عليك الأنوار، وعلى قدر الاستعداد يتنزل عليك الامداد، وعلى قدر تمسكك بالكتاب والسنة تنال الكمال والثبات والمنة، وعل قدر تمسكك بالشريعة الغراء فى نفسك وأهلك تفتح لك أبواب وصلك ” . { رسالة القواعد ص 21 } .

ولما كان تحصيل هذه الخيرات يحتاج إلى المجاهدة وبذل النفس فى تحصيلها قال ـ رضى الله عنه :

9 ـ “الإمداد على قدر الجهاد، والجهاد على قدر الاستعداد “ . { المعانى الرقيقة ص 70 } .

10 ـ وقال ـ رضى الله عنه ـ :”عـلو الهمة يبلغ بصاحبه إلى القمة “ . { المعانى الرقيقة ص 81 }.

أى إذا تعلقت همتك أيها المريد بشئ تريد تحصيله فردها إلى الله تعالى ولا تتعلق بشئ سواه، لأنه سبحانه كريم على الدوام، والكريم لا تتخطاه الآمال، وهذا ما أبانه ابن عطاء الله فى حكمِهِ عند قوله :   ” لا تتعد نية همتك إلى غيره فالكريم لا تتخطاه الآمال ” . ومتى علت همة العبد فى التعلق بالله، فتح الله تعالى له باب الخيرات، وبلَّغه أعلى الدرجات، كما أبان عن ذلك الإمام الجعفرى ـ رضى الله عنه ـ فى قوله :

11 ـ ” كلما عَلَتْ هِمَّتُكَ طَهُرَتْ ذِمَّتُك، وكلما ازددت فى الطاعات عَلَوْتَ فى الدرجات، عُلُوٌّ فى الحياة وفى الممات “. { المعانى الرقيقة ص 82 } .

ومن أراد طلب شئ وقصد إلى بلوغ أمره، ونجاح مراده  فليرجع إلى الله تعالى فى طلبه مع الانسلاخ من حوله وقوته فهذا طريق النجاح، ومصدر العزة والفلاح كما أبان عن ذلك ـ رضى الله عنه ـ فى قوله :

12 ـ ” اعلم أن راحتك فى مَدِّ راحتك إلى خير من تمد إليه الأيدى، واجعلها عن مدِّها إلى سواه فى قيد، فإذا مددتها إليه كسبت العزة وإلى غيره كسبت الذلة، فشتَّان بين عز وذلة “ . { المعانى الرقيقة ص 74 } .

وبعد : فهذا غيض من فيض حكمه ـ رضى الله عنه ـ وهى فى الحقيقة مأخوذة من دقائق حكم الشريعة الغراء، فهى علم العارفين وفقه السالكين، فتأملها أيها القارئ الكريم، تنل ما دلنا عليه من الخير الكثير حيث قال ـ رضى الله عنه :

” عليك بسماع فيوضاتهم عساك أن تحظى ببعض بركاتهم، فما ضَلَّ مَنْ صَحِبَ الأكابر أو صار فى ركبهم، بل يصل إلى ما وصلوا ولو جاء من بعدهم “ . { المعانى الرقيقة ص 43 } .

وإلى الملتقى فى رياض الحكم الجعفرية فى عدد قادم إن شاء الله، وصلى الله تبارك وتعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله العظيم .” وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين “

شهادة سلفية فى قضايا صوفية

الإمام أحمد بن حنبل وموقفه من التصوف والصوفية

سوف نتناول موقف إمام من أئمة السلف الصالح، وهو الإمام المبجل أحمد بن حنبل -رضى الله تعالى عنه- إمام أهل السنة والجماعة، وكفى بكلامه وشهادته برهانا للصوفية القائمين على كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما كان سلفهم الصالح، كما كفى بكلامه وشهادته رداً على من ينكر التصوف من أصله، ويقول أنه باطل كله، وإن الصوفية طائفة زائغة لا علاقة لها بالإسلام، بل إنهم أعداء الدين، وإن أصلهم من اليونان أو بوذية الهند … الخ ذلك من الترهات، وهذا كله أيضاً مع الأسف الشديد باسم ” السلفية المسكينة ” مع أن الواقع بخلاف ذلك، وذلك حينما تقرأ ما سوف ننقله من كتب الحنابلة وغيرهم رواية عن الإمام أحمد -رضى الله تعالى عنه-.

حقيقة المريد عند الإمام أحمد ورأيه فى التصوف:

فى الجزء الثانى من طبقات الحنابلة للقاضى أبى يعلى – رحمه الله تعالى – يقول القاضى : سئل مرة – أى الإمام أحمد – عن المريد ؟ قال : أن يكون مع الله كما يريد، و أن يترك كل ما يريد لما يريد، ثم قال: وكان الإمام أحمد يعظم الصوفية و يكرمهم، و قد سئل عنهم، وقيل إنهم يجلسون في المساجد ؟ فقال : العلم أجلسهم، وقال رحمه الله تعالى :” طوبى لمن أخمل الله ذكره “  وكان يمنع من الدخول على الأمراء ويقول : الخلوة أنفع .

وذكر فى الجزء الأول صـ 138 :” الحسن بن الليث الرازي : صحب إمامنا وحدث عنه بأشياء منها قال: قيل لأحمد :” يحبك بشر – يعنون بشر بن الحارث الحافى- فقال:”لا تعنوا الشيخ – أى لا تشقّوا عليه – نحن أحق أن نذهب إليه”، فقيل له:”نجيء به ؟ قال: ” لا، أكره أن يجاء به إلي، أو أذهب إليه فيتصنع لي، وأتصنع له فنهلك”.

وفى صـ 179 من الجزء نفسه :” قال أبو بكر الخلال: أخبرنا طالب حرة الأذني قال: حضرت أحمد بن حنبل فقال :”علامة المريد قطيعة كل خليط لا يريد ما تريد”.

وذكر فى الجزء نفسه صـ 186 :” وأنبأنا المبارك عن ابن العشاري عن أحمد بن الجندي قال: سمعت علوان بن الحسين أبا البشر يقول سمعت عبد الله بن أحمد يقول :” سئل أبي : ولِمَ لا تصحب الناس؟ قال:”لوحشة الفراق”.

وهذه المعانى كلها يتخلق بها الصوفية الصادقون الذين ينهجون نهج السلف فى جميع أحوالهم المأثورة عنهم، فأين موضع الإنكار من هذه الأحوال ؟ ولكنها الأهواء عمّت فأعمت .

شهادة الإمام أحمد للصوفية المعاصرين له :

وذكر القاضى أبو يعلى فى الجزء نفسه صـ 268 فى ترجمة :”محمد بن إبراهيم أبو حمزة الصوفي” فقال: جالس إمامنا – يعنى الإمام أحمد- واستفاد منه أشياء، وجالس بشر بن الحارث وأبا نصر التمار وسريا السقطي، وسافر مع مع أبى تراب النخشبى “،والأربعة من أئمة التصوف الذين يقتدى بهم .

ثم روى القاضى بسنده المتصل إلى المترجم له، قال أبو حمزة كان الإمام أحمد بن حنبل يسألني في مجلسه عن مسائل، ويقول :” ما تقول فيها يا صوفي؟ قال القاضى أبو يعلى معلقاً على ذلك : أراد – والله أعلم – بسؤاله إن أصاب أقره عليه وإن أخطأ بينه له “.ا.هـ

فتأمل أيها القارئ الكريم المنصف مدى المحبة والمودة والألفة الكامنة فى قول الإمام : “يا صوفى ” .

وذكر أبو سعيد بن الأعرابي أن أحمد بن حنبل كان يقول :” معروف الكرخي من الأبدال، وهو مجاب الدعوة “.

وقال المعافى بن زكريا الجريري حدثت عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: قلت لأبي: “هل كان مع معروف شيء من العلم؟ فقال لي:” يا بني كان معه رأس العلم .. خشية الله تعالى” .

وقيل للإمام أحمد:”إن الحارث المحاسبي يتكلم في علوم الصوفية، ويحتج لها بالآي والحديث، فهل لك أن تسمع كلامه من حيث لا يشعر؟ فقال :”نعم” فحضر معه فى ليلة إلى الصباح، فقال :”لم ينكر من أحواله ولا أحوال أصحابه شيئا لأنى رأيتهم لما أٌذّن بالمغرب تقدم فصلى، ثم حضر الطعام فجعل يحدث أصحابه وهو يأكل، وهذا من السنة، فلما فرغوا من الطعام، وغسلوا أيديهم، جلس وجلس أصحابه بين يديه، وقال: من أراد منكم أن يسأل عن شيء فليسأل، فسألوه عن الرياء والإخلاص، وعن مسائل كثيرة فأجاب عنها، واستشهد بالآي والحديث(وأحمد يسمع ولم ينكر شيئاً) فلما مر جانب من الليل أمر الحارث قارئا يقرأ فقرأ فبكوا وصاحوا وانتحبوا، ثم سكت القارئ، فدعا الحارث بدعوات خفاف ثم قام إلى الصلاة، فلما أصبحوا اعترف الإمام أحمد بفضله وقال :” كنت أسمع عن الصوفية خلاف هذا، استغفر الله العظيم”.

وفى طبقات الحنابلة الجزء الأول صـ427 :وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : كنت مع أبي يوما من الأيام في المنزل، فدق داق الباب، قال لي :”أخرج فانظر من بالباب، “قال فخرجت فإذا امرأة قالت لي: استأذن لي على أبي عبد الله – يعني أباه-، قال : فاستأذنته، فقال: أدخلها، فدخلت فجلست فسلمت عليه، وقالت له : “يا أبا عبد الله، أنا امرأة أغزل بالليل في السراج، فربما طفىء السراج، فأغزل في القمر،فهل عليّ أن أبين غزل القمر من غزل السراج؟ قال : فقال:” لها إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبيني ذلك”

قال : قالت له :”يا أبا عبد الله أنين المريض شكوى؟ قال:” أرجو أن لا يكون شكوى،ولكنه اشتكاء إلى الله”.

قال: فودعته وخرجت، قال: فقال لي :”يا بني ما سمعت قط إنسانا يسأل عن مثل هذا اتبع هذه المرأة فانظر أين تدخل ؟ قال فاتبعتها فإذا هي قد دخلت إلى بيت بشر بن الحارث، وإذا هي أخته، قال فرجعت فقلت له فقال :” محال أن تكون مثل هذه إلا أخت بشر”.

الإمام أحمد والتبرك والتوسل:

وقد كان الإمام أحمد من أعظم المتوسلين بالنبى – صلى الله عليه وآله وسلم – المتبركين بآثاره، يروى صاحب الحلية عن عبد الله بن الإمام أحمد قال:” رأيت أبي أخذ شعرة من شعر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فيضعها على فيه يقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينيه، ويغمسها في الماء ثم يشربه ثم يستشفي به.

ورأيته أخذ قصعة للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فغسلها في جب الماء، ثم شرب فيها ورأيته غير مرة يشرب ماء زمزم يستشفي به، ويمسح به يديه ورجليه.

وقال الحافظ الذهبى فى سير أعلام النبلاء 11/ 212 بعد أن روى هذا الخبر :” قلت: أين المتنطع المنكر على أحمد؟ …. ثم قال :عافانا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع.

وقال الحافظ العراقى فى كتابه “فتح المتعال”: أخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال: رأيت في كلام  ولد أحمد بن حنبل من جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وتقبيل غيره، فقال: لا بأس بذلك، قال فأريناه ابن تيمية فصار يتعجب من ذلك، ويقول :”عجبت أحمد عندي جليل يقول هذا؟

قال : “وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به .ا.هـ 4/ 145 ونقل هذا الخبر الحافظ ابن حجر فى فتح البارى فى كتاب الحج باب “من لم يستلم إلا الركعتين اليمانيين ” 3/ 475.

وأما رأيه فى التوسل: ففى منسك الإمام أحمد رواية أبى بكر المروزى نص فى التوسل إلى الله تعالى بالنبى -صلى الله عليه وآله وسلم- فى قبره، وهناك صيغة طويلة للتوسل به -صلى الله عليه وآله وسلم- عند الحنابلة ذكرها أبوالوفا بن عقيل فى التذكرة، فلا خلاف عند كبار الحنابلة أتباع الإمام على ذلك، والله تعالى أعلم وأحكم .

ونسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا إتباعه، وأن يرينا الباطل باطل ويرزقنا اجتنابه، وأن يثبتنا على الكتاب والسنة، وأن يجمع قلوبنا على الحق جمعا، إنه ولى ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه أجمعين .

من التراث الجعفرى

من دروس شيخنا الإمام الجعفرى

رضى الله تعالى عنه

بالأزهر الشريف

عن سيدنا ومولانا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ويلهمه رشده» صدق رسول الله.

والتفقه في الدين: أن يتعلم الرجل الواجبات التي أوجبها الله عليه ليفعلها، وأن يعلم المحرمات التي حرمها الله- تعالى- عليه حتى يتجنبها، فمن فعل الواجب كما ينبغي، وانتهى عن الحرام كما ينبغي فهو من أهل الجنة.

وإنما خلق الإنسان في الدنيا ليكون ممتثلاً لأوامر ربه، ولا يخير فيمن لم يكن كذلك، كما قال الشاعر المؤمن:

إذا المـرء لم يلبس ثيابًا من التقـى
وخير فعال المرء طاعـة ربــه

تجرد عريانًا ولو كان كاســيًا
ولا خير فيمن كان الله لله عاصيا

وللتقوى مظاهر في الدنيا قبل الآخرة، تظهر على صاحبها، تدل على رضوان الله- تعالى- عليه، وكذا للمعاصي، وهذه المظاهر والآثار إنما تكون في القلب، فإذا كان تقيًا ظهرت آثار التقوى على قلبه، إيمانًا وحبًا وتقربًا لله، ويشرح الله- تعالى- صدره، وييسر له أمره، كما أن المعاصي تظهر آثارها في القلب، بضيق الصدر، وكثرة الهم والغم والوساوس من الشيطان الرجيم.

فالعبد إما مع الرحمن، وإما مع الشيطان، فإذا كان مع الرحمن حصل له ما يدل على قربه منه- تعالى-، وإذا كان مع الشيطان حصل له ما يدل على قربه منه والعياذ بالله، يقول الله- تبارك وتعالى-: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: 257] فإن كنت مؤمنًا حقًا عرفت هل أت في نور أم في ظلام، ومن لم يعرف ذلك كان في حزب البهائم.

يقول سيدي عمر بن الفارض- سلطان العاشقين: صارت جبالي دكًا     من خشية المتجلي

يعني جوارحي خشعت، وأطاعت ربها من خشية التجلي الرباني.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]، أما من لا قلب له، فالقرآن لا ينفعه بشيء.

﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، أي يخرج منها الهم والفزع.

إذا ما رأيت الله في الكل فاعلاً                  رأيت جميع العالمين ملاحًا

تعجبت الملائكة فكانت أول المتعجبين: كيف صير الطين والفخار عظامًا، ولحمًا، ودمًا، يبصر ويسمع وينطق؟!، فمن له قلب يقرأ كلام الله، ويفهم كل حرف فيه، ويعبد الله- تعالى- كالملائكة- كيف جمع الله فيه بين الطين والفخار والعظم واللحم والدم والروح..

فالروح عالم خاص، لا يعلمه إلا الله- تعالى-، وهي سر عظيم.

يقول المصطفى- صلى الله عليه وآله وسلم-: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ويلهمه رشده».

لأن الله- تعالى- قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]، وهو القرآن العظـيم.

قال الشيخ محمد عبده- رحمه الله-: حياة العالم شجاعته، والعالم بغير شجاعة كالميت وهل الميت ينتفع به؟ «والعلماء ورثة الأنبياء» [رواه ابن النجار عن أنس- رضي الله عنه-]- كما قال المصطفى- صلى الله عليه وآله وسلم- فيجب عليهم أن يبلغوا دين الله وشرعه، فإن ماتوا ماتوا شهداء، وإن عاشوا عاشوا أعزاء أمام الله- تبارك وتعالى-، شهداء عنده، وق أوحى الله- تعالى- إلى الخليل إبراهيم- عليه السلام-: «يا إبراهيم إني عليم، وأحب كل عليم» [رواه أبو نعيم في الحلية] يعني: وأكره الجهلاء، وقال المصطفى- صلى الله عليه وآله وسلم-: «تخلقوا بأخلاق الله» يعنيك الله كريم، فكونوا كرماء، وهو حليم فكونوا حلماء.

وقال- صلى الله عليه وآله وسلم- «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» [رواه أبو داود والترمذي]، وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «من لا يرحم لا يُرحم» [رواه الترمذي].

دخل الأقرع بن حابس- من كبراء العرب- على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فوجده يُقبل الحسن أو الحسين بن علي- رضي الله عنهما- فقال: يا رسول الله: إن لي عشرة من الولد من قبلت واحدًا منهم، فقال- عليه الصلاة والسلام-: «من لا يرحم لا يُرحم» وفي رواية، «أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك».

قوله- صلى الله عليه وآله وسلم- : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين».

الفقه في اللغة هو الفهم، وعرَّفه العلماء بأنه الأحكام الشرعية المكتسبة من أدلتها التفصيلية «القرآن والسنة النبوية».

فالقرآن والسنة، دليل إجمالي. وقوله- تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النور: 56] دليل تفصيلي، قوله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات» [رواه البخاري ومسلم عن عمر- رضي الله عنه-] دليل تفصيلي يؤخذ منه وجوب النية في الأعمال كلها. ومن لم يعلم الأحكام وجب عليه تقليد إمام من المجتهدين الذين استنبطوا الأحكام التفصيلية من أدلتها الإجمالية..

وقد قال الإمام إبراهيم اللقاني- في منظمته جوهرة التوحيد-:

فما لك وسـائر الأئمـة
فواجب تقليد حبر منهـم

كذا أبو القاسم هداة الأمـة
كذا حكى القوم بلفظ يفهـم

قال لي رجل: أنا لا أقلد مذهبًا، بل أسير على الكتاب والسنة، فقلت له: أسألك بالله: هل تحفظ القرآن والسنة؟ قال: لا ليس بواجب. قلت له: أنت إذن تدخل فيمن قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبا﴾ [الأنعام: 93] فقد افتريت على الله- تعالى- وادعيت أنك تحفظ كتابه وأنت جاهل به، وافتريت على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وادعيت أنك تعمل بالسنة وأنت جاهل بالسنة، وبعض الناس يتكلمون بجرأة على الله- تعالى-، لأنه احتجب عنهم، ولولا ذلك لتدكدكوا كالجبل.

رؤيــا :

رأيت- في النوم- رجلاً بلحية، أمسكه أربعة ملائكة، كل ملك أخذ بيد أو رجل، وكان قد أكل حرامًا، فآلمته بطنه، ولم يستطع أن يضع يده عليها، فبكيت كثيرًا، وقلت: يا رب: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.. فيجب أن نستيقظ قبل أن يوقظنا الموت، فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان: 34]، فإما حياة فيلقى ما لقيه الأحياء، وإما موت فيلقى ما لقيه الأموات، وكل واحد منا لا يدري هل يصبح ميتًا، فيغسل ويكفن ويدفن تحت التراب؟ أو يصبح مع الأحياء ؟

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر: 42].

قيل لسيدنا علي- رضي الله عنه وكرم الله وجهه-: كم ما بين الدنيا والآخرة ؟ قال: نَفَسٌ واحد فإذا خرج ولم يعد وصل الإنسان إلى الآخرة.

عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «أوحى الله- تعالى- إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها، فقال: يا رب إن فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين، قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعّر فيَّ ساعة قط» [رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب]، ومعنى لم يتمعَّر فيَّ: أي لم يتغير ولم يغضب من أجلى، ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9]، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].

ويجب أن تعتقد في ربك عقيدة صحيحة، تتعلمها من العلماء، وتعرف نبيك- صلى الله عليه وآله وسلم- وتعرف قدره ومقداره عند الله- سبحانه وتعالى-…

حكم من سب نبيًا أو ملكًا :

قال المالكية: من سب من المسلمين المكلفين نبيًا مجمعًا على نبوته يُقتل بدون استتابة ولا تُقبل توبته من حيث قتله، فإن تاب قُتل حدًا بمعنى أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويورث، أما السابُّ الكافر أصلاً إن أسلم فلا يُقتل ولو كان إسلامه خوفًا من القتل، لأنَّ الإسلام يجُبُّ ما قبله، وكذا حكم من سبَّ ملكًا مجمعًا على مَلَكِيّته.

أما من سب الله- تعالى- فإن كان كافرًا فإنه يقتل ما لم يُسلم، أما إن كان مسلمًا ففي استتابته خلاف: هل يستتاب فإن تاب تُرك وإلا قتل، أو يقتل ولو تاب؟ والراجح قبول توبته كما هو مذهب الشافعي- رضي الله عنه-.

والفرق بين ساب الله- تعالى- فيقبل إن تاب وبين ساب الأنبياء والملائكة فلا يقبل إن تاب.. أن الله- تعالى- لما كان منزهًا عن لحوق النقص به عقلاً قبل من العبد التوبة بخلاف خواص عباده فاستحالة النقص عليهم من إخبار الله- تعالى- لا من ذواتهم فشدد فيهم سدًّا للذريعة وقفلاً لباب الشبهة.

قد أثبت الله- تعالى- الشفاعة للملائكة فقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28] وقد أخبر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بأنه الشفيع يوم القيامة لجميع الخلائق حينما يأتون مستشفعين بقدره العالي، وكل الأنبياء يعتذرون عن الشفاعة فلما جاءُوا إليه قال- في جلال وكمال- «أنا لها»، فكيف يمنع شفاعة الدنيا، وهو شفيع يوم القيامة.

ولسنا نحن الذين جعلناه واسطة، لكن الله هو الذي جعله الوسيلة بيننا وبينه فأوحى إليه القرآن، وأمره أن يبلغه لنا.

قد فرق الله- تعالى- بينا وبينه في الموت ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30].

دفن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-:

اختلفت الصحابة في دفنه- صلى الله عليه وآله وسلم- فقال أبو بكر الصديق: لقد سمعت حديثًا عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ما خانتني فيه أذناي قال: «ما قُبضَ نبي إلا حيث يُدْفن» [رواه أبو داود وابن ماجة]، وقد أجمع الصحابة على قبول هذا الحديث، قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- من رواية البخاري ومسلم والصحاح: «ما بين منبري وبيت عائشة روضة من رياض الجنة».

قال الشيخ عبد الله بن أبي جمرة الأسدي- المدفون في جبل المقطم بجوار ابن الفارض-: إنما جعل هذا المكان روضة لمسكنه وممشاه.

قال بعض الصحابة إذا روى الحديث: حدثنا الصادق المصدوق، كما قال: ثبت صدقه- صلى الله عليه وآله وسلم- في قوله، ولا يزال ذلك إلى يوم القيامة.

من علامات الساعة:

قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» [البخاري]، ومن كلامه- صلى الله عليه وآله وسلم-: «من علامات الساعة أن تأخذ المرأة مهنة الرجل، وأن يكثر النساء».

وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لن يفلح قوم ولو أمورهم امرأة»  [رواه الترمذي]، ولا يزال- صلى الله عليه وآله وسلم- يخبر بالمغيبات، والله- تعالى- يصدقه، فقد قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «يوشك الناس أن يستغنوا عن الإبل» وقد حدث هذا، وحينما وضع يده على رأس الحسين، وأخبر بمقلته كما في مسند الإمام أحمد وجاءه جبريل بتراب، وقد احتفظوا بهذا التراب، حتى إذا ذهبوا إلى كربلاء- مقتل الحسين- وجدوه مشابهًا لترابها، وأخبر بأن عمر يُقتل، وأن عثمان يُقتل كما في رواية أبو يعلى والطبراني، فتحقق كلامه وصدق.

قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «حجوا قبل ألا تحجوا» [رواه أبو نعيم والبيهقي]، صدق رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فقد جاء زمن الحكام الذين صاروا يمنعون الناس عن الحج، وهذا تصديق لما قاله وأخبر به المصطفى- صلى الله عليه وآله وسلم-، وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله بهلاكها». وقد قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «الزنا يورث الفقر» [رواه ابن ماجة]، والمشاهدة لهؤلاء كثيرة.

قصــة :

كان نبي من بني إسرائيل قاعدًا تحت شجرة يستظل بظلها، وتحته عين تجري، فجاء شخص يحمل صرة دراهم، ووضعها بجانب العين ونزل إلى حافتها فاستحم، ومكث يستريح، ثم ذهب ونسي الصرة حيث تركها، فجاء شخص ثان فاستحم ووجد صرة الدراهم، فأخذها وذهب، ثم جاء شخص ثالث، وقعد بجانب العين يستريح، وإذا بالشخص الأول جاء يجري، كأنه جمل هائج تذكر صرة الدراهم، فجاء يبحث عنها، فوجد ذلك الرجل بجانب العين، فسأله عن صرة الدراهم؟ فأجاب: لم أرها، فكذبه صاحبها، وحلت بينهما مخاصمة، أدت إلى تماسك بالأيدي، فضرب صاحب الدراهم خصمه بسلاح كان معه فقتـله.

فقال ذلك النبي: عجبًا يا رب !

شخص يأخذ الدراهم، وآخر يُقتل بسببها؟ فأوحى الله إليه: إن الدراهم الذي أخذها ذلك الرجل وذهب، كانت دينًا لأبيه على الرجل الذي جاء يحملها، وماطله بدفعها، حتى مات ولم يأخذها فأخذها ولده، وأما الرجل الذي وجده على العين وقتله فإنه كان قد قتل والده من قبل، وهو لا يزال طفلاً، فلم يقتل إلا قاتل أبيه، وإن كان لا يعرف ذلك» أ.هـ.

قال سيدي عبد السلام الأسمر:

يا رب غيرك ما يرتجا شــي
الحمد لله رب قـد هـــداني
هي عـلامة عـلى إيمــاني

وما جاك سائل وروَّح بلاشي
كلمـة خفيفة على لســاني
ويوم القيـامة ما وزنها شي

من أحكام العمامة :

كان للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عمامة تسمى السحاب- أي لونها كلون السحاب- فعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده- رضى الله تعالى عنه- قال: كان للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عمامة تسمى السحاب فوهبها لسيدنا علي- رضي الله عنه- فربما طلع عليّ فيها فيقول النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: “أتاكم علي في السحاب” [أخرجه ابن عدي وأبو الشيخ وابن حبان عن جعفر بن محمد]، وكان- صلى الله عليه وآله وسلم- يلبس العمامة وتحتها قلنسوة، وكان يلبسها بلا قلنسوة. وقال النووي- وهو من أكابر الشافعية ومن علماء الحديث: النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كانت له عمامتان: إحداهما إثنا عشر ذراعًا، والأخرى ستة أذرع.

حكم الصلاة بالعمامة :

روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا فخرج إلينا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- لما قام في مصلاه ذكر أنه جنب فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه- صلى الله عليه وآله وسلم- ولكن هذا لا يستدل به على أن السنة هي الصلاة مع كشف الرأس، لأن هذه الحالة نادرة وقعت مرة واحدة فاتباع السنة المداوم عليها أولى. وكتب الحديث كلها تقول «باب عمامته- صلى الله عليه وآله وسلم- وأحب الثياب إليه- صلى الله عليه وآله وسلم- القميص».

وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: إن أئمتكم شفعاؤكم.

حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن وتلاوته:

روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: انطلق نفرٌ من أصحاب النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في سفرة سافروها حتى نزلوا على حيّ من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا علهم أن يكون عندهم بعض شيء، فأتوهم. فقال: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقى، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً فصالحوهم على قطيع من غنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَة (أي علة) قال: فأوفوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فنذكر له الذي كان فننظر الذي يأمرنا، فقدموا على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فذكروا له ذلك قال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: أصبتم، اقتسموا واضربوا لي معكم سهمًا (أي اجعلوا لي منه نصيبًا) وضحك النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- . وفي رواية: قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله».

نستنبط من هذا الحديث أن الذي يأخذ أجرًا على تعليم كتاب الله وقراءته لا شيء عليه، غير أن الشافعية يقولون: يعلم أو يقرأ من غير شرط في تقدير الأجرة، وإنما يأخذ ما يُعطى له وإلا فلا يجوز له أخذ الأجرة [روضة الطالبين للنووي- باب الإجارة]، أما المالكية فإنهم لا يقيدون ذلك بشرط، بل له أخذ الأجرة على التعليم أو القراءة ولو مع شرط [فتاوى الشيخ عليش- باب الإجارة].

من أصول التصوف الإسلامي الصحيح

البيعة الصوفية سنة نبوية بأدلتها التفصيلية

إن من أصول الصوفية على امتداد الزمن والتاريخ أن يعاهد المريد شيخه على الالتزام بالطاعة واجتناب المعصية وملازمة الورد والطريقة حتى الموت.

وهم بذلك يحيون سنة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- والصحابة من بعده وإن كان بعض الناس قد تركها في وقتنا هذا، أو جهلها، فهذا لا يسقط مشروعيتها.

معنى البيعة:

والبيعة أو العهد لغة: هو التزام شيء ليؤتى به، تقول تعاهد بنو فلان على كذا وكذا. وشرعًا: التزام قربة دينية كالتزام الأنصار- رضوان الله تعالى عليهم- أنهم يحمون النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- مما يحمون منه نساءهم وأولادهم.

والأصل فيها قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)، وكذا آية بيعة النساء في سورة الممتحنة. قال حكيم الأمة الإمام التهانوي الهندي- في حاشية ترجمته لهذه الآية الكريمة في الممتحنة-: «وإن هذه الآية صريحة في عرض البيعة، ويلزم به إبطال تلك البيعات التي تؤخذ هكذا رسميًا فقط من دون قصد العمل والوفاء بها».

البيعة لجميع طوائف المسلمين:

وقد كان النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- يبايع أصحابه فرادى وجماعات، ذكورًا وإناثًا، كبارًا وصغارًا.

فمما جاء عن بيعة الجماعة ما رواه سيدنا عوف بن مالك رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: ألا تبايعون رسول الله؟ وكنا حديثى عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ألا تبايعون رسول الله؟ فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟ قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وتصلوا الصلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا، وأسر كلمة خفية: ولا تسألوا الناس شيئًا» فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه» أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.

وفي صحيح البخاري في كتاب الإيمان رواية عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان شهد بدرًا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- قال وحوله عصابة من أصحابه «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك».

فهذه البيعة لا هي بيعة الإسلام ولا هي بيعة الجهاد لأن من بايع كان مسلمًا أصلاً، وإنما هي بيعة الصوفية التي كانت للتأكيد على أمور الإسلام، كما دل الحديث الأول على التزام الصحابة- رضي الله عنهم- بالدقة في تنفيذ العهد حتى إنهم لا يسألون أحداً مناولة السوط على رغم تفاهته، وقد بسط الإمام الشيخ أحمد بن عبد الرحيم المعروف بولي الله الدهلوي في مؤلفه «القول الجميل» الحديث عن حقيقة البيعة فيقول- قدس سره- تعليقًا على آية سورة الفتح: «واستفاض عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- أن الناس كانوا يبايعون تارة على الهجرة والجهاد وتارة على إقامة أركان الإسلام وتارة على الثبات والقرار في معركة الكفار، وتارة على التمسك بالسنة والاجتناب عن البدعة والحرص على الطاعات، كما صح أنه- – صلى الله عليه وآله وسلم– بايع نسوة من الأنصار على أن لا يَنُحْن.

وروى ابن ماجه أنه- – صلى الله عليه وآله وسلم– بايع ناسًا من فقراء المهاجرين على أن لا يسألوا الناس شيئًا.

وأما بيعة الأفراد فهي تخرج عن الحصر، فقد كان من يقطن من الصحابة بعيدًا عن المدينة المنورة يأتونه- – صلى الله عليه وآله وسلم– ويُسْلمون على يديه ويقضون معه أيامًا يتعلمون فيها ما يسر الله لهم من أمور دينهم ثم يبايعون ويرجعون إلى أهليهم. وهذه هي الأدلة:

أخرج الحسن بن سفيان والطبراني في الأوسط وأبو نعيم والحاكم والبيهقي وابن عساكر عن بشير بن الخصاصية- رضي الله عنه- قال أتيت رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أبايعه، فقلت: علام تبايعني يا رسول الله؟ فمد رسول الله يده فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وتصلي الصلوات الخمس لوقتها، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان وتحج البيت وتجاهد في سبيل الله، قلت: يا رسول الله، كلاًّ نطيق إلا اثنتين فلا أطيقهما: الزكاة، والله مالي إلا عشر ذَودٍ- أي إبل- هن رُسُل أهلي وحمولتهن، وأما الجهاد فإني رجل جبان، ويزعمون أنه من ولى فقد باء بغضب من الله، وأخاف إن حضر القتال أن أخشع بنفسي فأفرّ فأبوء بغضب من الله. فقبض رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- يده ثم حركها. ثم قال يا بشير: لا صدقة ولا جهاد فبم إذن تدخل الجنة؟ قلت: ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعته عليهن كلهن» كذا في كنز العمال ورواه الإمام أحمد، ورجاله موثقون كما قاله الهيثمي.

وأخرج الإمام أحمد عن جرير- رضي الله عنه- قال: بايعت رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم» وأخرج أيضًا ابن جرير مثله.

وأخرج الطبراني والإمام أحمد والنسائي وغيرهم عن أبي أمامة وثوبان أن: كلاً منهما بايع النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- على أن لا يسأل الناس شيئًا، كذلك سيدنا أبو ذر- رضي الله عنه- كما عند الإمام أحمد.

وعن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: كنا إذا بايعنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- على السمع والطاعة يقول لنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم-: فيما استطعتم» رواه البخاري ومسلم.

بيعة النساء:

وأما بيعة النساء فقد روى الطبراني عن عزة بنت خايل- رضي الله عنها-« أنها أتت النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- فبايعها أن لا تزنين ولا تسرقين ولا تئدين فتبدين أو تخفين، فقالت: أما الوأد المبدى فقد عرفته، وأما الوأد الخفي فلم أسأل رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- ولم يخبرني، فقد وقع في نفسي أنه إفساد الولد، فو الله لا أفسد لي ولدًا أبدًا».

والأدلة في هذا الباب كثيرة، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى تفسير ابن كثير عند تفسير آية النساء في سورة الممتحنة فقد ذكر كثيرًا من بيعات النساء هناك، ولكن كان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- يبايعهن كلامًا من غير أن تمس يده يد امرأة قط في المبايعة ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك، كما روى ذلك البخاري عن السيدة عائشة- رضي الله عنها-.

بيعـة الأطفال:

وتسن البيعة حتى للأطفال «فعن ابن الزبير وعبد الله بن جعفر- رضي الله عنهما- أنهما بايعا رسول الله-  صلى الله عليه وآله وسلم- وهما ابنا سبع سنين، فلما رآهما رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- تبسم وبسط يده فبايعهما» رواه ابن حجر الهيثمي في مجمع الزوائد.

والأدلة في الموضوع كثيرة في مظانها، ونكتفي بأن نقول: إن العهد أو البيعة هي من السنن الإسلامية التي سار عليهاالسلف الصالح والصوفية من بعدهم ولا زالوا.

ومما لا شك فيه ولا شبهة أنه إذا ثبت عن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فعل ذلك على سبيل العبادة والاهتمام بشأنه فإنه لا ينزل عن كونه سنة في الدين، والحاصل أن البيعة المعمول بها عند السادة الصوفية هي عبارة عن معاهدة للالتزام بالأحكام والاهتمام بالأعمال الظاهرة والباطنة، ويقال لها في عرفهم «بيعة الطريقة» ويقول عنها بعض علماء الظاهر: إنها بدعة بناء على أنها لم تثبت عنه- صلى الله عليه وآله وسلم- ولكن الثابت أنه- صلى الله عليه وآله وسلم- كان يبايع الكفار على الإسلام، ويبايع المسلمين على الجهاد فقط.

هذا كلامهم..

ولكن هذا مردود بما ذكرنا من الأحاديث الصحيحة في أن المخاطبين كانوا من الصحابة، فليست إذن هي بيعة الإسلام قطعًا إذ يلزم لذلك تحصيل الحاصل. ويظهر من ألفاظ الأحاديث أنها ليست ببيعة الجهاد أيضًا بل علم بدلالة الألفاظ أنها للالتزام بأوامر الشارع والانتهاء عن نواهيه والاهتمام بالأعمال، فثبت بذلك المقصود.

فثبت أن إنكار هذه البيعة جهل بالسنة وإنكار لها بل إنكار على  فعل رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم-وصحابته الكرام، قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

هذا ونسأل الله- تبارك وتعالى- أن يسدد خطانا على الطريق، وأن يهدينا إلى أقوم سبيل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

حضرة يوم الأحد و الخميس

كل يوم أحد و خميس من كل أسبوع .. يدعوكم مسجد الشيخ صالح الجعفري في الدراسة لحضور الحضرة بعد صلاة العشاء .. حيث يمدح فيها المادحون من أبناء الشيخ و يلقي بعض المشايخ كلمات في العلم الشرعي .. و كل بم يتفق مع سنته صلى الله عليه و سلم.

الدعوة عامة لجميع الاصحاب و الاخوان