بمناسبة الاحتفال بمولد السيدة نفيسة رضى الله عنها

 

الحمد لله ذى الطول والإنعام، الذى جعل مودة قرابة نبيه عليه الصلاة والسلام أداء جزاء وفرض قيام لكل من انتمى بحق إلى الإسلام

 ففرض سبحانه ذلك بقرآنٍ يتعبد بآياته آناء الليل وأطراف النهار فتزكو به الأيام، فقال – تعالى  : ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة فى القربى)، وقال – جلت حكمته- : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)، صدق الله العظيم

 وقال – عليه الصلاة والسلام – : ( إنى تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتى – أهل بيتى- لا يفترقا حتى يردا علىَّ الحوض) رواه مسلم فى صحيحه

 وبعد

 فهذه ورقة وقبس من شجرة وأنوار أهل بيت النبى الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وهى نفيسة العلم ، نستظل بظلها ونتعلق بغضنها، راجين من المولى تعالى معيتهم والنجاة بهم فهم سبل ذلك وأسبابه

 السيدة نفيسة .. امتداد للصحابيات  ، ومن العابدات الفضليات

 نسبها

 نفيسة العلوم وكريمة الدارين نفيسة بنت حسن الأنور بن زيد الأبلج بن الحسن السبط ابن الإمام على بن أبى طالب من زوجته السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

 فهى من دوحة النبوة التى طابت فرعا، وزكت أصلا، ومن شعبة الرسالة التى سمت رفعة ونبلا

 والدها

 الحسن الأنور: كان إماماً عظيماً، وعالماً جليلاً من كبار أهل البيت معدوداً من التابعين، ولى المدينة من قبل أبى جعفر المنصور الخليفة العباسى ولمدة خمس سنوات، وهو ممن انتهت إليهم الرياسة فى زمنه من بنى الحسن

 كان دائما يأخذ ابنته ( نفيسة ) إلى المسجد النبوى زائراً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول: يارسول الله .. إنى راضٍ عن ابنتى نفيسة، ويرجع ، فما زال يفعل حتى رأى النبى – صلى الله عليه وآله وسلم  – فى المنام وهو يقول: ( يا حسن .. أنا راضٍ عن نفيسة برضاك عنها، والحق تعالى راضٍ عنها برضاى) هكذا

 مولدها

 ولدت السية الطاهرة نفيسة بمكة المكرمة فى يوم الأربعاء الحادى عشر من شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين ومائة من الهجرة النبوية (145) ولقد فرحوا بمولدها وعمت السعادة أكناف بيتهم جميعا

 نشأتها

 نشأت السيدة نفيسة فى بيت كريم وبين أسرة طهرها الله تطهيراً وأذهب عنها الرجس، فتحت السيدة نفيسة عينها ووعت أذنيها كتاب الله العظيم، فأب صالح وأم عابدة ليل نهار فكان طبيعياً أن تقلدهما، بالإضافة إلى ما سمعته من تاريخ جديها الإمامين الحسن والحسين وامهما الزهراء وأبيهما أمير المؤمنين وما اقتبسوا جميعا من رسول الله من أنوار وما أخذوا عنه من شتى الفضائل والمكرمات

 التقت السيدة نفيسة بإمام دار الهجرة الإمام مالك الذى كان حديث الفقهاء والمسلمين جميعاً بكتابه الموطأ وفقهه الذى انتشر فى كل الأمصار، ووجدت السيدة فى هذه الأجواء مبتغاها وقرأت الموطأ وناقشت كل القضايا الدينية، وكانت – رضى الله عنها – آية من آيات الله فى  قوة الذاكرة والحفظ مع صفاء نفس ونقاء حدس، فألمت بالتفسير والتأويل فاستجلت غوامضه وخاضت عبابه

 كان لها – رضى الله عنها – قسط وافر من الجهاد، وذلك بأدائها المتكرر للحج، فقد حجت ثلاثين مرة اكثرها ماشية على قدميها، وكان القدوة لها فى ذلك جدها الإمام الحسن الذى كان يقول : ( إنى لأستحى من ربى أن ألقاه ولم أمش إلى بيته) وكانت فى كل شوط من الأشواط السبعة تتعلق بأستار الكعبة وتبكى بكاءً شديداً وتقول (إلهى وسيدى مولاى .. متعنى وفرحنى برضاك .. فلا تسبب لى سبباً به عنك تحجبنى) رضى الله عنها

 زوجها

 تزوجها سيدنا إسحاق المؤتمن ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين بن الإمام على وريحانة رسول الله السيدة الزهراء

 يلقب بالمؤتمن لكثرة امانته وقوة إيمانه، وكان من أوفر وأكثر أهل البيت علماً، وحلماً وعملاً، وعبادة وورعاً، وهو شقيق السيدة عائشة الجعفرية صاحبة الضريح والمسجد العامر بمصر المحروسة

 أخلاقها وسخاؤها

 كانت – رضى الله عنها – كريمة الخليقة شريفة الطبع، غراء المكرمات زهراء المأثرات، كثيرة الخير والبر؛ تواسى البائسين وتسعف الملهوفين وتفرج كروب المكروبين، وكان لها مل كثير إلى مال زوجها تحسن منها إلى المرضى والمحتاجين والناس عامة، فما كانت ترد سائلاً ولا تمنع مستجدياً، كانت تتعرف من به حاجة فتقضيها له، وفى المدينة ضاقت دارها بالزائرين

 قدومها إلى مصر

 فى يوم السبت الموافق 26 رمضان سنة 193 هـ وصلت السيدة نفيسة رض  الله عنها إلى مصر المحروسة مع زوجها وأبيها حسن الأنور

 وفى العريش استقبلها أهل مصر أحسن استقبال بعد قيامها بزيارة قبر الخليل إبراهيم عليه السلام بفلسطين، ومقام السيدة زينب بنت أم كلثوم بنت على بن أبى طالب بغوطة دمشق لاشام، وكذلك قبر فضة جارية جدتها السيدة الزهراء

 تلقتها النساء والرجال بالهوادج والخيول مرحبين يهللون ويكبرون ولم يزالوا معها إلى أن دخلت مصر فأنزلهم عنده كبير التجار بمصر جمال الدين عبد الله الجصاص وكان من أهل الصلاح المعروف بالبر ومحبته للصالحين وأهل البيت

 وأقاموا عنده عدة شهور والناس يفدون إليها من جميع الجهات، يلتمسون بركتها ويرجون دعاءها ويرون فى إشراقتها إشراقة بيت النبوة وعترة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم

 تطايرت أنباؤها فهرع إليها الناس من سائر المدن فتكاثرة الجموع على بابها ففكرت مليا فى مغادرة مصر حيت تعود إلى مدينة جدها صلى الله عليه وآله وسلم لتقضى بقية عمرها المبارك فى هدوئها وعبادتها ومناجاة بارئها

 فسمع أهل مصر بالأمر فاشتد ذلك عليهم وشق عليهم وقد لمسوا نفاحتها وعرفوا هداها وتقواها وما أفاضه الله عليها من فيوضات وتجليات ، فالتمسوا منها العدول عن عزمها ورجوها البقاء بين ظهرانيهم فأبت عليهم طلبهم وصارحتهم بانها تريد الانفراد للعبادة ، ولما رأى أهل مصر منها ذلك توجهوا نحو والى مصر وكان السرى  بن الحكم بن يوسف الذى كان يزورها ويجلها فأخبروه الخبر وسألوه ان يطلب منها العدول عن مغادرتها فانتقل إليها واستعطفها فقالت له: إنى كنت اعتزمت المقام عندكم، غير إنى امرأة ضعيفة وقد تكاثر الناس حولى فشغلونى عن أورادى وجمع زادى لمعادى، ومنزلى يضيق بهذا الجمع الكثيف والعدد الكبير وقد زاد حنينى لروضة جدى المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فقال لها الوالى : يا ابنة رسول الله .. إنى بعون الله كفيل بإزالة ما تشكين منه، وسامهد لك السبيل واهيئ ما فيه راحتك، أما ضيق المنزل فإن لى داراً بدرب السباع ( حيث مسجدها العامر الآن) وإنى أشهد الله تعالى أنى قد وهبتها لك وأسألك أن تقبليها منى ولا تخجلينى بردها على

 فقالت بعد سكوت طويل: إنى قبلتها منك

 ثم قالت : يا سرى .. كيف أصنع بهذه الجموع الكثيرة ؟ فقال: تتفقين معهم على أن يكون للزوار يومين فى كل جمعة وباقى الأسبوع تتفرغين للعبادة وخدمة الله، فاجعلى يومى السبت والأربعاء للناس

 فقبلت ذلك وانتقلت إلى داره وخصصت الزيارة يومى السبت والأربعاء من كل أسبوع، وأقامت رضى الله عنها بمصر المحروسة خمسة عشر عاماً تضيئها بنور العلم وتغمرها بفيض التقوى حتى انتقالها إلى الرفيق الأعلى

 استعدادها رضى الله عنها للقاء ربها

 عاشت السيدة نفيسة رضى الله عنها حياتها كلها تعد العدة لهذه اللحظة، وتتزود لها بما تستحقه من زاد التقوى، وكانت تحدث بذلك المحبين عندما كانوا يطلبون منها الرفق بنفسها وتقليل السهر وتخفيف صلوات النفل فكانت تذكرهم بهذه الساعة قائلة : ( إن قدامها عقبات لا يقطعها إلا الفائزون) وهى قد استعدت  لهذه اللحظة وحفرت قبرها بيدها وكانت تنزل فيه للعبادة والتذكر بالآخرة وتصلى فيه النوافل حتى قيل أنها قرأت فيه مئات الختمات القرآنية ووهبت ثوابها للأموات المسلمين

 قالت زينب رفيقتها وبنت أخيها

 تألمت عمتى فى أول يوم من رجب، وكتبت إلى زوجها إسحاق المؤتمن كتاباً وكان غائباً بالمدينة المنورة، تطلب فيه المجئ إليها لإحساسها بدنو أجلها وفراقها وإقبالها على الأخرة، وما زالت متوعكة إلى أن كان أول جمعة من رمضان فزاد عليها الألم وهى صائمة فدخل عليها الأطباء فأشاروا عليها بالإفطار لحفظ قوتها فقالت: واعجباه !!! إن لى ثلاثين عاماً وأنا أسأل الله تعالى أن يتوفانى وأنا صائمة .. أفأفطر؟!! معاذ الله تعالى

 وعندما حان أجلها كنت تقرأ سورة الأنعام حتى وصلت إلى قوله تعالى : ( لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون) ففاضت روحها الطاهرة صاعدة إلى ربها راضية مرضية

 

 

بمناسبة الاحتفال بمولد سيدنا الإمام الحسين رضى الله عنه

فى شرح قول النبى- صلى الله عليه وآله وسلم

(حسين منى وأنا من حسين ، اللهم أحب من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط)

[رواه مالك فى الموطأ ، والترمذى ، وابن ماجة]

يتصل النبى – صلى الله عليه وآله وسلم- بالحسين كما تتصل الشمس بالأرض بواسطة الشعاع ، فهو – صلى الله عليه وآله وسلم -: نور ، وأهل بيته نور منه ، ومعنى الحديث (حسين منى وأنا من حسين) يعنى:أنا الشمس وحسين نور برز منى كما يبرز شعاع الشمس من الشمس .

ومعنى (أنا من حسين) يعنى: أنا متصل بالحسين كما تتصل الشمس بشعاعها.

هذا يشير الى  أنه – صلى الله عليه وآله وسلم -: وأهل بيته كالشئ الواحد.

وقد رأيت هذا الحديث فى كتاب مخطوط للشيخ الزرقانى شارح موطأ الإمام مالك يقول فيه : حديث صحيح.

فهو – صلى الله عليه وآله وسلم -: متصل بجميع أهل بيته ، وهم متصلون به ، والدال على الأنصال الحديث السابق ، وجملة أحاديث اخرى ، مثل قوله – صلى الله عليه وآله وسلم -: (فاطمة بضعة منى من أغضبها فقد أغضبنى) رواه البخارى ، وقوله – صلى الله عليه وآله وسلم -: (من كنت مولاه فعلى مولاه) رواه الترمذى واحمد . والدال على تمام الاتصال قوله – صلى الله عليه وآله وسلم -: : (من أغضبها فقد أغضبني) . فمن  أغضبهم  أغضب جدهم – صلى الله عليه وآله وسلم -: ، ومن زارهم فى روضاتهم فكأنما زار جدهم – صلى الله عليه وآله وسلم -: ، فهنيئا للمحبي، الزائرين ، ولهم رضى الله عنهم إدراك بعد مماتهم يزيد على إدراكهم فى حياتهم فى الدنيا وهم سادات من سبقت لهم من الله الحسنى:

(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )(103) الأنبياء.

قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -:

(لايؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه ، وتكون عشرتى أحب إليه من عشرته ، وأهلى أحب اليه من أهله ، وذاتى أحب إليه من ذاته) . رواه الطبرانى وغيره .

الامام الحسين رضي الله عنه الحسيب النسيب العالم التقي النقي الورع الشهيد ، حبيب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولو كانت عندك امكانية روحانية لسلمت عليه باليد حين زيارته ، ولو كانت عندك قوة روحانية لتحدثت اليه عند زيارتك له ، وسلمت عليه بروحك .

وقد وهب الله تعالي الارواح الطاهرة مواهب روحانية لروية الاسرار ، وأهل المواهب تتكلم أرواحهم مع بعضها .

وعندما ندخل مقصورة مولانا الامام الحسين رضي الله عنه نري نورا كالشمس ، ونسأل الامام: ما هذا النور ؟ فيقول رضي الله عنه : هذا نور جدي المصطفي – صلى الله عليه وآله وسلم – .

وعندما تدخل عليه ، فانه يراك بفضل الله ومشيئته ، ويغشاك هذا النور بفضل الله ومشيئته ، وبمقدار ما أفاض الله عليك من حال وبمقدار حالك تري وتتذوق وتفهم ، فهو رضي الله عنه وبفضل الله ومشيئته يراك من مقامه عند ربه ، وأنت تراه من حالك وبمقدار حالك .

هبات ربانية !! فان قلت : السلام عليكم ، رد عليك السلام بفضل الله ومشيئته ، وأن سألته أجابك بفضل الله ومشيئته ، وان توسلت به الي الله أجبت بفضل الله ومشيئته ، قال تعالي :

(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (أل عمران – 169 -171)

(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) (الانسان – 20)

وكل انسان منا رداءان : رداء الجسد الظاهر (مرئي) ونراه ، ورداء الروح (خفي) لا نراه ، ولا يحس بالرداء الروحي إلا صاحبه ، ومن المواهب التي منحها الله -  تعالي للرسل والانبياء والاولياء والصالحين رؤية الارواح .

ورداء الروح يزكو ويفوح عطره ، ويغلو ثمنه ، وترتفع قيمته بالاعمال الصالحات ، ويتسخ ، وينتن ريحه ، وتسقط قيمته ، وتنخفض قيمته بأعمال السيئات ، بالمخالفات والمعاصي ، وعدم متابعة الشرع .

ومولانا الامام الحسين رضي الله عنه عندما تدخل عليه تدخل برداءين : رداء جسدي محسوس مرئي وانت تعرفه ، ورداء روحي خفي غير محسوس ، وبفضل الله تعالي وبمشيئته يراه الامام من مقامه عند ربه تعالي .

وبزيارته تتبرك به ، وتغشاك أنواره الربانية وأسراره ، فتخرج من عنده نشيطا نظيفا نقيا ، فتتوضا وتصلي وتعمل البر والخبرات،وينصلح حالك ، وهذا من بركات أهل البيت الظاهرة .

قال تعالي : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الاحزاب – 33) (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب – 56) أن الله – سبحانه وتعالي – جعل للأولياء الأحياء وظائف ، ومن وظائفهم علاج الأرواح ، وهبهم الله من فضله ورحمته ، وأعطاهم أدوية لعلاج الأرواح المريضة في الدنيا ، وعرفهم الله – سبحانه وتعالي – أمراض الأرواح وطرق علاجها .

يتصل النبى – صلى الله عليه وآله وسلم- بالحسين كما تتصل الشمس بالأرض بواسطة الشعاع ، فهو – صلى الله عليه وآله وسلم -: نور ، وأهل بيته نور منه ، ومعنى الحديث (حسين منى وأنا من حسين) يعنى:أنا الشمس وحسين نور برز منى كما يبرز شعاع الشمس من الشمس .

ومعنى (أنا من حسين) يعنى: أنا متصل بالحسين كما تتصل الشمس بشعاعها.

هذا يشير الى  أنه – صلى الله عليه وآله وسلم -: وأهل بيته كالشئ الواحد.

وقد رأيت هذا الحديث فى كتاب مخطوط للشيخ الزرقانى شارح موطأ الإمام مالك يقول فيه : حديث صحيح.

فهو – صلى الله عليه وآله وسلم -: متصل بجميع أهل بيته ، وهم متصلون به ، والدال على الأنصال الحديث السابق ، وجملة أحاديث اخرى ، مثل قوله – صلى الله عليه وآله وسلم -: (فاطمة بضعة منى من أغضبها فقد أغضبنى) رواه البخارى ، وقوله – صلى الله عليه وآله وسلم -: (من كنت مولاه فعلى مولاه) رواه الترمذى واحمد . والدال على تمام الاتصال قوله – صلى الله عليه وآله وسلم -: : (من أغضبها فقد أغضبني) . فمن  أغضبهم  أغضب جدهم – صلى الله عليه وآله وسلم -: ، ومن زارهم فى روضاتهم فكأنما زار جدهم – صلى الله عليه وآله وسلم -: ، فهنيئا للمحبي، الزائرين ، ولهم رضى الله عنهم إدراك بعد مماتهم يزيد على إدراكهم فى حياتهم فى الدنيا وهم سادات من سبقت لهم من الله الحسنى:

(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )(103) الأنبياء.

قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم

(لايؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه ، وتكون عشرتى أحب إليه من عشرته ، وأهلى أحب اليه من أهله ، وذاتى أحب إليه من ذاته) . رواه الطبرانى وغيره .

الامام الحسين رضي الله عنه الحسيب النسيب العالم التقي النقي الورع الشهيد ، حبيب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولو كانت عندك امكانية روحانية لسلمت عليه باليد حين زيارته ، ولو كانت عندك قوة روحانية لتحدثت اليه عند زيارتك له ، وسلمت عليه بروحك .

وقد وهب الله تعالي الارواح الطاهرة مواهب روحانية لروية الاسرار ، وأهل المواهب تتكلم أرواحهم مع بعضها .

وعندما ندخل مقصورة مولانا الامام الحسين رضي الله عنه نري نورا كالشمس ، ونسأل الامام: ما هذا النور ؟ فيقول رضي الله عنه : هذا نور جدي المصطفي – صلى الله عليه وآله وسلم – .

وعندما تدخل عليه ، فانه يراك بفضل الله ومشيئته ، ويغشاك هذا النور بفضل الله ومشيئته ، وبمقدار ما أفاض الله عليك من حال وبمقدار حالك تري وتتذوق وتفهم ، فهو رضي الله عنه وبفضل الله ومشيئته يراك من مقامه عند ربه ، وأنت تراه من حالك وبمقدار حالك .

هبات ربانية !! فان قلت : السلام عليكم ، رد عليك السلام بفضل الله ومشيئته ، وأن سألته أجابك بفضل الله ومشيئته ، وان توسلت به الي الله أجبت بفضل الله ومشيئته ، قال تعالي :

(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (أل عمران – 169 -171)

(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) (الانسان – 20)

وكل انسان منا رداءان : رداء الجسد الظاهر (مرئي) ونراه ، ورداء الروح (خفي) لا نراه ، ولا يحس بالرداء الروحي إلا صاحبه ، ومن المواهب التي منحها الله -  تعالي للرسل والانبياء والاولياء والصالحين رؤية الارواح .

ورداء الروح يزكو ويفوح عطره ، ويغلو ثمنه ، وترتفع قيمته بالاعمال الصالحات ، ويتسخ ، وينتن ريحه ، وتسقط قيمته ، وتنخفض قيمته بأعمال السيئات ، بالمخالفات والمعاصي ، وعدم متابعة الشرع .

ومولانا الامام الحسين رضي الله عنه عندما تدخل عليه تدخل برداءين : رداء جسدي محسوس مرئي وانت تعرفه ، ورداء روحي خفي غير محسوس ، وبفضل الله تعالي وبمشيئته يراه الامام من مقامه عند ربه تعالي .

وبزيارته تتبرك به ، وتغشاك أنواره الربانية وأسراره ، فتخرج من عنده نشيطا نظيفا نقيا ، فتتوضا وتصلي وتعمل البر والخبرات،وينصلح حالك ، وهذا من بركات أهل البيت الظاهرة .

قال تعالي : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الاحزاب – 33) (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب – 56) أن الله – سبحانه وتعالي – جعل للأولياء الأحياء وظائف ، ومن وظائفهم علاج الأرواح ، وهبهم الله من فضله ورحمته ، وأعطاهم أدوية لعلاج الأرواح المريضة في الدنيا ، وعرفهم الله – سبحانه وتعالي – أمراض الأرواح وطرق علاجها  .

سيدى الشيخ صالح الجعفرى – رضى الله عنه

مسألة مشروعية الاحتفال بمولده صلى الله عليه و سلم

(فصل) لا زلنا نعرض سلسلة مقالات في محاولة من اسرة الموقع للاحتفال و الاحتفاء بمولده صلى الله عليه و سلم، و مدارنا اليوم أننا بعد نشر مقال سبب الاحتفال العقلي و النقلي به صلى الله عليه و سلم، أردنا أن نوضح لمسألة المشروعية و قول الشرع فيه. خاصة و أنها من الأشياء التي يتكلم بها الناس كثيرا.

و لتكون طريقة عملية تبين معنى قول شيخنا طريقنا القرآن ثم السنةفكل ما كان قرآنا و سنة و شرعة هو طريق شيخنا الشيخ الجعفري، تميز بأنه كان يدرس كل الآراء و المدارس الدينية على مر العصور و يخرج برأي الجمهور أو الأقرب منه أو الأحوط و بذلك تر في معاني الطريق الجعفري أن إمام الجامع الأزهر سيدي الشيخ صالح الجعفري أرجع التصوف للموروث عن السلف الصالح، و اخبرنا بأنه رضوان الله عليه ليس عنده خرافات و لا بدع، ولا القيل و لا القال.

و فيه ست نقاط:

النقطة الأولى: و فيها نبدأ بتقديم رأي سيدي فضيلة الشيخ عبد الغني صالح الجعفري:

-“ عجبا لمن يسمع هذا القول و يقول: إن الاحتفال بالمولد بدعة!! و أي بدعة يعني و قد جاء كل بدعة ضلالة؟!

  • و قوله: “لقد كرم الله تعالى يوم ولادة رسله، و يوم الموت، و يوم البعث مرتين، و قال حكاية على لسان عيسى – عليه السلام -: “وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّاالأية 15، سورة مريم

  • وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّاالأية 33، سورة مريم

إذن، فليوم الولادة منزلة عند الله – تعالى – عبر عنها القرآن بالسلام من المولى عز و جل يوم ولد، و سلام الله مدد لا نحصر مداه و لا مدلوله و لا معناه.

و قوله: و قد أثبتت صحاح كتب الحديث التي روت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يلازم صوم يوم الإثنين من كل أسبوع، فسئل عن ذلك فقال: “يوم ولدت فيه، و أنزل علي فيه

و معنى هذا أن النبي – صلى الله عليه و سلم – كان يحيي ذكرى مولده الشريف شكرا لله تعالى في كل أسبوع مرة بالصيام.

و قوله: “و قد ذكرت كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ذبح في حجة الوداع ثلاثا و ستين بدنة بعدد سني عمره الشريف

فهذه أربع أدلة بداية من نفي كونها بدعة منكرة، و بعدها بتوضيح أهمية هذا في القرآن، ثم بدليلين يمثلان سنتين فعليتين من رسول الله صلى الله عليه و سلم. قدمهم جيمعا الشيخ عبد الغني الجعفري.

النقطة الثانية: رأي الإمام السيوطي: و لنقف على نقطة البدعة، و نبدأ بدراسة هذا الموضوع دراسة علماء السلف لها.. ثم بعد ذلك نورد بعض آراء علماء السلف في المولد الشريف و كل هذا باستفاضة رسالة للشيخ السيوطي اسمها حسن المقصد في عمل المولد.

قال الإمام النووي رحمه الله في نهذيب الأسماء و اللغات: البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، و هي منقسمة إلى: حسنة، و قبيحة.

و قال سلطان العلماء سيدي العز بن عبد السلام في القواعد: البدعة منقسمة إلى: واجبة و محرمة و مندوبة و مكروهة و مباحة.

قال: و الطريق في ذلك أن نعرض البدعة على قواعد الشرع، فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة، أو في المندوب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة.

و ذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة، إلى أن قال: و للبدع المندوبة أمثلة منها: إحداث الربط، و المدارس، و كل إحسان لم يعهد في العصر الأول، و منها: التراويح، و الكلام في دقائق التصوف، و في الجدل. و منها: جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله.

و روى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: المحدثات من الأمور ضربان :أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا، أو سنة أو أثرا، أو إجماعا، فهذه بدعة الضلالة. و الثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد و هي من المذكورات، فهذه محدثة غير مذمومة.

و قد قال عمر رضي الله عنه: “ نعمت بدعة هذه

يعني: أنها محدثة لم تكن، و إذا كانت، ليس فيها رد لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي.

يقول الإمام السيوطي بعد عرض هذه الأدوات الشرعية من الأئمة النووي و العز بن عبد السلام و الشافعي رضوان الله عليهم و هم أئمة و شيوخ من أهم أعمدة السلف الكرام: “ لأن هذا القسم مما أحدث، و ليس فيه مخالفة لكتاب، و لا سنة، ولا أثر، ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي: “و هو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول“.

فإن إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان، فهو من البدع المندوبة كما في عبارة ابن عبد السلام.

و نحن سنشارك بكتاب الإمام السيوطي الذي رد فيه على أحد فقهاء عصره ممن ظن بالمولد الظنون، و الإمام السيوطي لمن لا يعرفه من أئمة السلف الكبار، و يشتهر في مصر هذه الأيام بتفسير الجلالين، و قد كان الشيخ السيوطي من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، حيث ملأ نشاطه العلمي في التأليف مختلف الفروع في ذلك الزمان من تفسير وحديث وفقه وتاريخ وطبقات ونحو ولغة وأدب وغيرها، فقد كان موسوعي الثقافة والاطلاع.

علينا أن نعرف قدر علمائنا القدام و نقرأ عنهم خاصة في مثل هذه الأيام.

الثالثة: و نستضيف أيضا رأي العلامة ابن حجر العسقلاني، و إمامنا ابن حجر العسقلاني و الملقب بأمير مؤمنين علم الحديث، لمن لا يعرفه، هو شارح البخاري الذي قيل فيه أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم، و قد مكث في الشرح عشرين سنة، ولما أتم التأليف عمل مأدبة ودعا إليها أهل قلعة دمشق وكان يوماً عظيماً. ويعتبر هذا الكتاب أفضل شرح وأعمّه نفعاً لصحيح البخاري، وتأتي أهمية كتاب ابن حجر من كونه شرحاً لأصح ما ورد عن رسول الله محمد من حديث وقد تضمن ذلك الشرح ذكر أحاديث أخرى وعلق ابن حجر على أسانيدها وناقشها حتى كان بحق (ديوان السنة النبوية)، وكذلك لما تضمنه من فقه وأصول ولغة ومناقشة للمذاهب والآراء في شتى المعارف الإسلامية.

يقول الإمام: “ أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، و لكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن و ضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن، و تجنب ضدها، كانت بدعة حسنة، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون, ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة.. إلى أن قال : وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم.. نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه: فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة

الرابعة: الأصل الثاني الذي أخرجه الإمام السيوطي:

و هذا هو الأصل الذي أخرجه الإمام ابن حجر و قد ذكره الشيخ السيوطي في نفس الكتاب، و زاد أن للأمر أصلين من السنة، فالأول هو الأصل الثابت الذي أخرجه الإمام العلامة ابن حجر، و الثاني هو ما خرجه الإمام السيوطي بنفسه .. فيقول:

قلت: و ظهر لي تخريجه على أصل آخر، و هو ما أخرجه البيهقي، عن أنس رضي الله عنه: “أن النبي صلى الله عليه و سلم عق عن نفسه بعد النبوة

مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، و العقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه و سلم إظهارا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه، رحمة للعالمين، و تشريفا لأمته، كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده باجتماع الإخوان، و إطعام الطعام، و نحو ذلك من وجوه القربات، و إظهار المسرات. “

الخامسة: و بجوار الإمام السيوطي و ابن حجر من السلف ففتوى الإمام ابن الجوزي حين قال عن المولد النبوي: “”من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرامو موقع هذا في كتاب السيرة الحلبية، لعلي بن برهان الدين الحلبي.

كما  أن تقي الدين ابن تيمية الحراني قد أقر بعدم وجود مانع شرعي من الاحتفال بالمولد، و قال في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: “فتعظيم المولد و اتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس و يكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده و تعظيمه لرسول الله صلى الله عليه و سلم للأمانة العلمية نقول انه رأى الكراهة مع عدم الحرمانية في المولد متعللا بان السلف الصالح لم يعملوه و على ذلك سار احد الفقهاء الذين عاصروا الإمام السيوطي و يرد عليهم شيخنا السيوطي قائلا:

نفي العلم لا يلزم نفي الوجود، و قد استخرج له الحافظ أبو الفضل ابن حجر أصلا من السنة، و استخرجت أنا له أصلا ثانيا

السادسة أننا بعد أن تكلمنا عن أراء العلماء المشتهرين في زماننا من أئمة السلف، نريد أن نذكر جملة من علماء السلف الكبار الذين أكدوا أيضا على مشروعية الاحتفال و ما أكثرهم حتى كاد يكون إجماعا، و ممن ذكرهم الشيخ السيوطي في كتابه:

الشيخ الحافظ شمس الدين الجزري، إمام القراء.

الشيخ الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي و له فيه كتاب يسمى مورد الصاوي في مولد الهادي

الكمال الأدفوي يقر الاحتفال به أيضا.

ابن الحاج.

و قد ذكر الشيخ محمد علوي المالكي عددا من العلماء ممن ألفوا كتبا في المولد:

  • الحافظ عبد الرحيم العراقي: توفي 808 هـ، له مولد باسم المورد الهني في المولد السني“.

  • الحافظ ابن كثير: توفي 774 هـ، وله مولد طبع بتحقيق صلاح الدين المنجد.

  • الحافظ السخاوي: توفي 902 هـ، وله مولد باسم الفخر العلوي في المولد النبوي“.

  • الحافظ ابن الجوزي: توفي 597 هـ، وله مولد باسم العروس، وقد طبع في مصر.

  • الحافظ أبو الخطاب عمر بن علي بن محمد المعروف بابن دحية الكلبي: توفي 633 هـ، وله مولد باسم التنوير في مولد البشير النذير“.

  • شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي: توفي 842 هـ، وله مولد باسم المورد الصاوي في مولد الهاديوكذلك جامع الآثار في مولد المختارواللفظ الرائق في مولد خير الخلائق“.

  • ملا علي قاري: توفي 1014 هـ، وله مولد باسم المورد الروي في المولد النبويوهو مطبوع.

  • الحافظ شمس الدين ابن الجزري: توفي 660 هـ، إمام القراء، وله مولد باسم عرف التعريف بالمولد الشريف“.

  • علي زين العابدين السمهودي: توفي 911 هـ، وله مولد اسمه الموارد الهنية في مولد خير البرية“.

  • الحافظ محمد الشيباني المعروف بابن الديبع: توفي 944 هـ.

  • ابن حجر الهيتمي: توفي 974 هـ، وله مولد باسم إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم“.

  • الخطيب الشربيني: توفي 1014 هـ، وله مولد باسم المولد الروي في المولد النبوي“.

  • المحدث جعفر بن حسن البرزنجي: توفي 1177 هـ، وله مولد باسم عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر، وهو من أكثر الموالد انتشارًا في البلاد الإسلامية.

مسألة: لماذا يحتفل المسلمون بمولد رسول الله صلى الله عليه و سلم؟

(فصل) يعرض هذا المقال لمسألة، شغلت ذهن العوام و هي ما أصل الاحتفال بمولده صلى الله عليه وآله و سلم، ومن أول من احتفل به، ثم ما الداعي للاحتفال به؟

و فيها أربع نقاط:

أولا: أنه أول من احتفل بمولده صلى الله عليه و سلم، فقد جاء عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الإثنين؟ فقال: “فيه ولدت. وفيه أنزل عليَّ“. رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

فكونه صلى الله عليه و سلم أولى يوم مولده بالاهتمام، و قام بالصيام فهي سنة فعلية فعلها رسول الله صلى الله عليه و سلم.

الثانية: أن مقررات العقل تقتضي أن الكون احتفل بمولده، و يقول فضيلة الشيخ عبد الغني صالح الجعفري في ذلك: “ فقد روت كتب السيرة أن ليلة مولده أضاء نور ملأ فجاج مكة حتى ظهرت قصور الروم، و كنعان، هذا النور الذي أضاء من الله – سبحانه و تعالى – يعبر عن نور الإسلام الذي سيملأ الكون و يعم الأرض، أضاء هذا النور ابتهاجا بمولده، و تكريما لقدومه، و إعلانا لبزوغ شمسه و إشراقها على الأرض.

ثم هناك علامات و خوارق أخرى منها: تصدع إيوان كسرى ملك الفرس، و سقوط اثنتى عشرة شرفة منه إيذانا بانهدام دولة الكفر و الطغيان، و خمود نار فارس التي كانوا يعبدونها، و غيض بحيرة ساوة و كانت معبودة من دون الله.

و جاءت هذه الأحداث المرتبطة بعبادة البشر لغير الله إيذانا ببطلانها، و إعلانا ألا معبود إلا الله، فقد جاء المبشر بدين التوحيد و لا إله إلا الله، لا يعبد غيره، و لا يقصد سواه، فقد نكست الأصنام التي كانت تعبد حول الكعبة، فما من صنم كان واقفا إلا و نكس على رأسه، و في هذا دليل على أن الكون تطهر من الآلهة المعبودة من غير الله، فالعبادة لله وحده.

كل هذه الخوارق التي تمت في ليلة مولده-صلى الله عليه و سلم- بقدرة من الله، و المعنى الحقيقي لهذه الظواهر الباهرة احتفال الكون بقدرة الله بميلاد رسول الله. “ من كتاب من وحي المنب تأليف العارف بالله الشيخ عبد الغني الجعفري.

الثالثة: ما جاء في صحيح الامام الحافظ (البخاري) أنه يُخفف عن (أبي لهب) كل يوم اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم- وفي ذلك يقول الحافظ (محمد ابن ناصر الدين) الدمشقي:

إذا كان هذا كافراً جاء ذمُّـــه بتبت يداه في الجحيم مُخلداً

أتى أنه في يوم الاثنين دائمــاً يُخفف عنه للسرور بأحمدا

فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد مسروراً ومات موحدا

و الحافظ محمد ابن ناصر الدين الدمشقي له ترجمة لا بأس بها في موقع الجمعية العلمية السعودية للسنة و علومها هذا رابطه.

يقول الشيخ الدكتور محمد علوي المالكي الحسني رضوان الله عليه و على شيخنا الشيخ الجعفري: “ وهذه القصة رواها البخاري في الصحيح في كتاب النكاح مرسلة ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح ورواها الإمام عبدالرزاق الصنعاني في المصنف والحافظ البيهقي في الدلائل وابن كثير في السيرة النبوية من البداية ومحمد ابن عمر بحرق في حدائق الأنوار والحافظ البغوي في شرح السنة وابن هشام والسهيلي في الروض الأُنُف والعامري في بهجة المحافل، وهي وإنْ كانت مرسلة إلا أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام، وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب والأحكام، وأما انتفاع الكفار بأعمالهم ففيه كلام بين العلماء ليس هذا محل بسطه، والأصل فيه ما جاء في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بطلب من الرسول صلّى الله عليه وسلّم “

الرابعة: عدم وجود مانع شرعي، و هذا ما قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية حفظه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، و هو يتحدث عن خلاف العلماء في مسألة المولد، فيقول: “ مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له و عدم المانع منه“

فالشيخ ابن تيمية يؤكد وجود مقتضى شرعي لعمل المولد على ما اسلفناه بالذكر، كما أكد على عدم وجود مانع منه.

مع ان الشيخ تقي الدين ابن تيمية لم ير حرمانية المولد طبعا لأنه رجل فقيه و نحن لم نسمع بشيخ له ثقل في العلم قد قام بتحريمه، إلا قليلا جدا.. و لكنه كرهه فقط لعدم فعل السلف الصالح له. و مع ذلك نر أن الشيخ ابن تيمية لم يكره إلا شيء واحد في المولد و هو عمله عيدا، و العيد عنده هو ما كان اسما لنفس المكان و لنفس الزمان و لنفس الاجتماع، و لكن ما يحدث فيه من محبة لرسول الله و اجتماع على الذكر و غيره هو مم مدحه ابن تيمية فيقول: “ إما محبة لرسول الله صلى الله عليه و سلم و تعظيما له و الله قد يثيبهم على هذه المحبة و الاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه و سلم عيدا” فقد قالها صراحة هكذا في نفس الكتاب لا تحتاج إلى تأويل، و كون الشيخ ابن تيمية لم يرى ثوابا في بدعة المولد الحسنة فهذا لأنه يرى فيها الكراهية و هذا رأيه، و هذا المكروه لا يعمله احد ممن هم في مثل عملنا، بل ان احتفال المنتسبين لسيدي الجعفري يحتفلون بمولده صلى الله عليه و سلم على عدة ايام و في عدة اماكن مختلفة كما تر في هذا الموقع، بل و ان الطرق الصوفية لتاخذ في اثرنا هذا .. و مع هذا فمن شرع هذا المولد رآه بدعة حسنة، و رآى استحباب اقامته و هم جمع من علماء أهل السنة و الجماعة ممن لا أظننا سنحصرهم كلهم ومنهم من علماء السلف كثير يكفينا من سرد اسمائهم الحافظ بن حجر و الشيخ السيوطي، و الحافظ ابن كثير. كما أن منهم من علماء هذا العصر كثير مثل إمام عصره سيدي الشيخ صالح الجعفري، و الشيخ الشعراوي و الشيخ الهرري و الشيخ محمد الحسن علوي المالكي كما سيأتي بيانه إن شاء الله في مشروعية الاحتفال بالمولد.

مسيرة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف

كلما أظلنا شهر ربيع الأول هلَّت علينا أنوار ذكرى مولد النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – وكالعادة يحتفل أبناء الطرق الصوفية جميعا والأحباب بهذه المناسبة المباركة بالتجمع أمام مسجد سيدى الشيخ صالح الجعفرى – رضى الله تعالى عنه – يمدحون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويرفعون رايات العز بحبه وحب أهل بيته – رضوان الله عليهم جميعا – وتبدأ المسيرة المباركة من أمام مسجد الإمام الجعفرى وتسلك شارع الأزهر وصولاً إلى مسجد مولانا الإمام الحسين – رضى الله عنه – وفى يوم الأحد – بأمر الله تعالى – الاحتفال مساءً بمسجد الإمام الجعفرى

وهذه دعوة الى جميع الاخوان والمحبين للمشاركة فى المسيرة الصوفية احتفالا بمولد المصطفى صلى الله عيه واله وسلم وذلك عصر السبت 12 ربيع الاول 1433هـ الموافق 4 فبراير 2012م من امام مسجد العارف بالله تعالى سيدى صالح الجعفرى بالدراسة والدعوه عامه وكل عام وانتم بخير

بمناسبة ذكرى المولد النبوى الشريف – فصول من السيرة النبوية لشيخنا الإمام الجعفرى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذى شرف الأكوان بظهور خير البرية . فأزال بشرعه ظلمة الشرك ودعا الخلائق إلى عبادة مولاه . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنزه عن عقائد الجاهلية . وأشهد أن سيدنا محمداً حبيبه ومصطفاه.

وبعد:

فيقول العبد الفقير الراجى رحمة ربه الرحمانية . صالح الجعفرى الحسينى بن محمد بن صالح الجعفرى الذى ينتهى نسبه العالى إلى السيد جعفر الصادق رضى الله عنه نسبه ومنتماه . تلميذ ذى المعارف والإرشادات إلى الطريقة الأحمدية والختمية . السيد محمد الشريف بن السيد عبد العالى بن السيد أحمد بن إدريس عليهم رضوان من الله بعد من أخذ طريقهم واستعذب وردهم وتلاه.

وتلميذ الشيخ حبيب الله الشنقيطى رحمه الله تعالى فى العلوم والأحاديث النبوية . والشيخ محمد إبراهيم المحدث والشيخ المطيعى والشيخ الدجوى والشيخ الغنيمى وغيرهم من أكابر علماء الأزهر الشريف عليهم رحمة واسعة تدوم وتبقى من فضل الله.

وقد أجازنى السيد محمد إدريس بأسانيده العالية المتصلة السنية . بالقرآن العظيم وكتب الحديث وأوراد الطريق منه إلى سيدى أحمد بن إدريس رضى الله عنه إلى سيدنا ومولانا رسول الله عليه صلوات الله.

قد من الله على بتأليف هذا المولد الشريف بالجامع الأزهر ذى العلوم والمعارف الأزهرية . اقتصرت فيه مع الإيجاز على بعض سيرة سيدنا ومولانا رسول الله.

وفى أول تأليفه رأيت فى النوم سيدنا جبريل عليه السلام رؤية ظاهرة جلية . فسلمت عليه وسألته الدعاء فقال لى : الله يتمم ، فتمم الله هذا المولد ببركة دعائه والحمد لله.

وقد أجزت بقراءته كل ليلى جمعة وليلة اثنين كل مسلم فى الأقطار الإسلامية . وسألت الله تعالى أن يجعل قراءته سبباً فى سعة الرزق والعافية وقضاء الحوائج والتوفيق إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه . فعليك يا أخانا فى الله تعالى بقراءته بالمحبة والإخلاص وحسن النية . تجد إن شاء الله تعالى ما دعوت لك به والمزيد من فضل الله.

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

الفصل الثانى

أنه صلى الله عليه وآله وسلم أفضل خلق الله

قد أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على أنه صلى الله عليه وآله وسلم- أفضل المخلوقات العلوية والسفلية . وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، أى لا يقول ذلك مفتخراً ولكن تحدثاً بما أنعم الله تعالى به عليه وأولاه . فأول ما خلق الله تعالى نور ذاته المحمدية . كما أخرجه الحافظ عبد الرزاق اليمنى فى مسنده عن الأنصارى جابر بن عبد الله . وافتتح الله تعالى به صلى الله عليه وآله وسلم النبوة فى العوالم الأزلية . كما قال صلى الله عليه وآله وسلم ( كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد ) أخرجه أبو عيسى الترمذى فى سننه وارتضاه . وجعله الله تعالى خاتم النبيين والمرسلين فلا نبى بعده إلى يوم بعث من فى القبور الترابية . وقد أخذ الله تعالى الميثاق فى الأزل على جميع النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام بأن يؤمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم ويكونوا أنصاراً له صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء فى القرآن العظيم وسمعناه.

فأول الأنوار نوره صلى الله عليه وسلم الذى منه تفرعت جميع الأنوار الإلهية . فهو صلى الله عليه وآله وسلم منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار ولو حضر الأنبياء زمانه عليهم الصلاة والسلام لكانوا أنصاراً له صلى الله عليه وآله وسلم تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله . وقد أشار النبهانى إلى هذا المعنى بقوله:

نورك الكل والورى أجزاء            يا نبياً من جنده الأنبياء

وقد ظهر نوره الشريف على وجه أبينا آدم عليه السلام بما بهر حسنه وضياؤه الجماعة الملكية . ولو رأى إبليس نوره صلى الله عليه وآله وسلم لكان أول من سجد بلا شك ولا اشتباه.

قال سيدى على وفا رضى الله تعالى عنه:

لو أبصر الشيطان طلعة نوره          فى وجه آدم كان أول من سجد

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

الفصل الثالث

(وأنه صلى الله عليه وآله وسلم نور)

واعلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم نور لا كالأنوار بل يفوق جميع الأنوار الدنيوية والأخروية . وفى ليلة المعراج قال جبريل عليه السلام : لو تقدمت خطوة لاحترقت من الأنوار فتقدم صلى الله عليه وآله وسلم وحده فى تلك الأنوار فما أجله وما أقواه . ولما كان صلى الله عليه وآله وسلم نوراً أقوى من الأنوار الجبرائيلية . كشف له الحجاب ورأى ربه تعالى وما رآه أحد سواه . فهو صلى الله عليه وآله وسلم السراج المنير الذى أضاء قلوب المؤمنين إنساً وجناً بأنواره الباقية الحسية والمعنوية . السميع الذى سمع كلام ربه القديم بلا حرف ولا بالكلمات التى تقرأ بالأفواه . البصير الذى أبصر ربه بلا كيف ولا انحصار سبحانه وتعالى من إله.

ولو كانت الدنيا بحذافيرها فى المكان الذى كان فيه صلى الله عليه وآله وسلم عند التجلى لصارت كالهباءات الذرية . فسبحان من ثبت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وقواه وأيده وأعطاه.

وأما أنواره الحسية فقد رآها كثير من الصحابة رضى الله عنهم بالرواية الجلية . وكان يغلبهم وصفه صلى الله عليه وآله وسلم فتارة يقولون كالشمس وتارة يقولون كالقمر عند تمامه فى حسنه ومرآه . وقالوا : إنه لا ظل له للطافة ذاته النورانية . فإن قيل: كيف صار صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً وهو نور؟ يجاب: بأن جبريل كان يأتى فى صورة الصحابى دحية وهو نور بلا شك ولا اشتباه . فالذى جعل جبريل عليه السلام النور رجلاً فى صورة إنسانية . قادر على أن يجعل حبيبه صلى الله عليه وآله وسلم النور إنساناً ظاهراً كى نكلمه ونراه .

وكان عرقه صلى الله عليه وآله وسلم كالمسك طيباً وريحاً وكاللؤلؤ لوناً ، ولو كان جسده كالأجساد ما ظهرت تلك الروائح الطيبة الذكية . وكانوا يصلحون بعرقه طيبهم ويتبركون به ويمسحون به على أطفالهم تبركاً كما أخرج ذلك البخارى رحمه الله ورواه.

قد ورد فى الحديث أن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها كانت تخيط ثوباً بليل وسقطت الإبرة من يدها فلم تهتد إليها لظلمة الليل الظلمانية . فدخل النبى صلى الله عليه وسلم فأضاء المكان ورأت الإبرة فتمثلت ببيت من الشعر ثناءً على رسول الله . فسر النبى صلى الله عليه وسلم بثنائها وقبل رأسها من أجل مدحها لذاته المكملة النورانية . أخرج هذا الحديث الحافظ السيوطى رحمه الله فى الخصائص الكبرى وحسن إسناده وارتضاه . فعليك يا أخانا فى الله تعالى بالإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سيما بالصلاة العظيمية . تنل ما ناله الواصلون من مشاهدة ذاته ومحياه.

وكان الصحابة رضى الله عنهم إذا ساروا فى طريق مظلم صحبهم النور يضى لهم فإذا تفرقوا انقسم النور وصار مع كل واحد نور يوصله إلى داره المعنية . وذلك من نوره صلى الله عليه وآله وسلم أخرج ذلك البخارى رحمه الله وحكاه.

ولا تزال رؤيته صلى الله عليه وسلم مستمرة لأصحاب الطريقة المحمدية الأحمدية . وقد رأوه يقظة كما حصل ذلك لشيخنا السيد أحمد بن إدريس رضى الله عنه وأرضاه . وقد نقل ذلك السيد السنوسى رضى الله عنه فى كتبه الظاهرة الجلية . ولا يزال مستمراً ذلك الفضل لمن سلك طريقه وذكر ورده وتلاه.

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

الفصل الرابع

فى أنواره المعنوية صلى الله عليه وسلم

وأما أنواره المعنوية فلا تعد ولا تحصى فهى بحار متلاطمة الأمواج الجوهرية . إذ به صلى الله عليه وسلم استنارت القلوب وصلحت النفوس وهدى الله به لهديه من هداه . فكم أحيا من أجداث الكفر بدينه أبطالاً أريحية . قال تعالى : ( أَوَ منْ كانَ ميْتاً فأحْييْناهُ ) أى ميتاً بالكفر فأحياه بالاستجابة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيا سعد من وفقه الله لذلك وأحياه . وشرف الله به صلى الله عليه وسلم خير أمه أخرجت للناس  وهو صلى الله عليه وسلم خير الخلق وأمته سادت به على جميع الأمم القبلية . قال تعالى: ( كُنْتم خَيْرَ أمَّةٍ أُخْرجَت للنَّاسِ ) وذلك بسبب رسالة سيدنا ومولانا رسول الله .

وأدام الله تعالى القرآن العظيم بدوام شمسه المحمدية . فلا يزال محفوظاً نافعاً هادياً لكل من عمل به وتلاه . وقد قيض الله تعالى للسنة الغراء علماء حافظوا عليها وأبعدوا عنها الأقوال التى ليست صحيحة مرضية . فجاءت مصححة منقحة عن الثقاة من الرواه . يهتدى السارى بنورها فى الحوالك الحندسية . وتنفجر منها ينابيع العلم والحكمة من بحر لا يدرك مداه . فسبحان من حافظ على كلامه ليكون دالاً على شريعته وكلمة ( لا إله إلا الله ) الكلمة التوحيدية . وحافظ على سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لتكون دالة على أحواله صلى الله عليه وسلم وصدق كلمة ( محمد رسول الله ) .

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

الفصل الخامس

(فى حفظ نسبه صلى الله عليه وسلم وتنقل النور المحمدى )

ومن أجله صلى الله عليه وسلم حفظ الله تعالى نسبه من السفاح والشرك والوثنية . من سيدنا آدم  عليه السلام إلى جده صلى الله عليه وسلم عبد المطلب وأبيه عبد الله . وكان النور المحمدى يتنقل فى جباههم من آدم عليه السلام إلى ابنه شيث عليه السلام إلى جبهة جدنا إبراهيم الخليل عليه السلام بعد والده تارخ الذى كان مؤمناً بلا شك ولا اشتباه . والدليل على إيمانه قول الله تعالى : ( ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين ) فقد دعا عليه السلام لوالديه بالمغفرة فلو لم يكونا مؤمنين ما دعا لهما ، ولا عطف عليهما المؤمنين فتنبه لهذه المسألة الغريبة الجلية .وأما ما حكاه الله تعالى عنه بقوله : ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) فذلك عمه آزر لما أعرض عن الإسلام وأباه . ولا يزال النور المحمدى يتنقل إلى أن وصل إلى جبهة عبد المطلب إلى ابنه عبد الله إلى السيدة آمنة بنت وهب كما رويناه . وقد اختار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم نسباً طاهراً مطهراً بعقد صحيح خالص من سفاح الجاهلية . إكراماً لقدره العالى صلى الله عليه وسلم ولشأنه المرفوع عند مولاه . فهو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ذى اليد القوية . بن عبد مناف بن قصى بن كلاب واسمه حكيم كما رويناه . بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب الذى غلب أعدائه بقوته الأسدية . ابن مالك بن النضر الذى على وجهه نضرة نور تظهر لكل من رآه . بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس وهو أول من نحر البدن هدياً بالرحاب الحرمية . وسمع النبى صلى الله عليه وآله وسلم وهو فى صلبه ذكر الله تعالى ولباه . بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان كما ورد ذلك فى الأحاديث النبوية . وعدنان ينتهى نسبه إلى سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله . وقد حاز هذا النسب ذروة الشرف فى الأنساب الإنسانية . بأفضل الخلائق قدراً وأرفعهم ذكراً وأعلاه .

وقد ألهم عبد المطلب أن يسمى والد النبى صلى الله عليه وسلم عبد الله . لأن ولده سيدعو إلى عبادة الله وحده وهدم الشرك والوثنية . كما ألهم الله وهباً أن يسمى أمه أمنة لأنها ستكون أماً لأمن الخلق وهداه.

نسب المطصفى كعقد مضئ           من كرام تشرفوا بمحمــــد

حفظ الله عقده خير حفــظ             كل من فيه ذو فخار وسؤدد

نسب من خليل رب كريــم              لحبيب مشرف وممجــــــــد

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

 

الفصل السادس

فى حمل أمه به صلى الله عليه وسلم

 ولما حملت به أمه صلى الله عليه وسلم لم تجد لحمله وحماً ولا ثقلاً من الأمور العادية . لأنه نور لا يثقل حمله ليس كالخلق فى تكوينه وفى أول أمره ومنتهاه.

وقد رأته أمه صلى الله عليه وسلم فى أثناء حملها به صلى الله عليه وسلم عجائب فى اليقظة والمنام لها محكية . لأنه صلى الله عليه وسلم صاحب المعجزات الباهرات التى ما نالها أحد سواه . وبشرها الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام فى منامها ببشارات طيبة هنية . لأنهم فرحون مسنبشرون به صلى الله عليه وسلم لأنه إمامهم الذى اختاره الله تعالى لهم وارتضاه . وأمرت بتسميته محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه محمود السيرة المرضية . واخضارت الأرض وذهب الجدب وطاب للراعى مرعاه . ونادى منادٍ بقرب ظهوره صلى الله عليه وسلم  وتباشرت الوحوش البرية والبحرية . وفرحت الملائكة واستبشرت بدنو ظهور نور جماله ومحياه . وهتفت الجن بقرب ولادته صلى الله عليه وسلم وظهرت بركات حسية . وكيف لا يكون كذلك وقد آن أوان ظهور نبى الحق والنجاه . وقد روى ذلك المحدثون فى الأحاديث الصحيحة المروية . التى تلقتها الأمة بالقبول وارتضاها الأئمة الثقاه .

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

الفصل السابع

فى ولادته صلى الله عليه وسلم

ولما تم من حمل أمه به صلى الله عليه وسلم شهران توفى والده بالديار اليثربية . ليتولى الله تعالى تربيته وإرشاده وهداه . وقد سئل أمير المؤمنين سيدنا على رضى الله عنه وكرم الله وجهه : ما حكمة موت أبوى النبى صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ليتولى الله تربيته وحده تربية رحمية رحمانية . وقال صلى الله عليه وسلم : أدبنى ربى فأحسن تأديبى . فكان صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس أدباً فى متقلبه ومثواه.

واستحب العلماء القيام عند ذكر ولادته صلى الله عليه وسلم أدباً واحتراما وفرحاً بقدوم خير البرية . فيا فوز من أحبه وقره واتبع سنته ووالاه.

وقد آن لقمر الزمان أن يقمر الأرض بعد تسعة أشهر قمرية . ويعم الكون بنوره إلى آخر الزمان ومنتهاه.

فأجاء آمنة المخاض وقد حضرتها آسية ومريم وحور عدنية . فوضعته صلى الله عليه وسلم نوراً ساطعاً ملأ الأفق ضوءهو وسناه .

صلى الله على محمد
أشرقت أنوار طه
هذه الدنيا نراها
مولد الهادى نبينا
من به حقاً هدينا
شرَّف الدنيا جميعا
ومطاعاً ومطيعا
وجهه فاق البدورا
قد بدا فى الكون نورا
خير خلق الله طه
هذه الدنيا نراها
نوره عمَّ النواحى
فى الصحارى والبطاح

 

 

صلى الله عليه وسلم
مثل شمس فى ضحاها
فى ضياءٍ من محمد
يفرح القلب الحزينا
الحبيب مولاى محمد
وأتى حقاً شفيعا
صفوة البارى محمد
زاده المولى سروراً
قبل خلق الله محمد
مثل شمس فى ضحاها
فى ضياءٍ من محمد
لظلام الكفر ماحى
أشرقت أنوار محمد

 

فظهر صلى الله عليه وسلم كالشمس المضيئة البهية . نظيفاً دهيناً مختوناً مقطوع السرة وقد كحلت بإثمد القدرة الإلهية عيناه . واضعاً يديه على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء إشارة إلى العزة والكرامة النبوية . لأنه كان نبياً وآدم بين الروح والجسد لم يظهر إلى الوجود مرآه . ولما عطس حمد الله تعالى على نعمه السرمدية . وشمتته الأملاك بقولها : رحمك الله يا من تشرفت الدنيا بقدومه ورؤياه.

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

الفصل الثامن

معجزاته صلى الله عليه وسلم ليلة الولادة

وفى ليلة مولده صلى الله عليه وسلم انتشرت الأنوار حتى تراءت القصور الكسروية . وتدلت النجوم واستنار البيت حتى أضار الحرم سناه . وتصدع إيوان كسرى للهيبة المحمدية . وأخمدت نار فارس بالديار الفارسية . وغاضت بحيرة ساوة وفاض وادى سماوة وتفجرت منه المياه .

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

الفصل التاسع

فى رضاعه صلى الله عليه وسلم

وأرضعته السيدة حليمة السعدية . فأبدل الله عسرها يسراً وبارك لها فى رزقها ونماه . وفرحت به ووجهت إليه المحبة القلبية . فسعدت به وأسلمت ودفنت بالبقيع فعليها وعلى أهل البقيع رحمة الله.

وكان صلى الله عليه وسلم ينمو فى اليوم نمو الطفل فى شهر ثلاثين يوماً زمانية . فقام على قدميه فى ثلاث ومشى فى خمس هلالية وفى تسع تكاملت له صلى الله عليه وسلم جميع قواه.

وجاءه ملكان وشقا صدره وذلك بعد ثلاث سنين أو أربع من غير مدية حديدية . وغسلاه وأخرجا منه مضغة سوادء ليقطع حظ الشيطان عنه فى حين صباه.

فنشأ صلى الله عليه وسلم كاملاً مكملاً فى عهد الطفولة الأولية . وكذلك فى عهد الرجولة ودعى بالأمين لأمانته وصدقه وحسن أدبه وتقواه.

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

استحباب الاحتفال بذكرى مولد النبى صلى الله عليه وآله وسلم

بقلم فضيلة الدكتور| على جمعة

مفتى الديار المصرية

لقد كان المولد النبوى الشريف إطلالة للرحمة الإلهية بالنسبة للتاريخ البشرى جميعه، وعبَّر القرآن الكريم عن وجود النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – بأنه (رحمة للعالمين)، وهذه الرحمة لم تكن محدودة، فهى تشمل تربية البشر، وتزكيتهم، وتعليمهم، وهدايتهم نحو الصراط المستقيم، وتقدمهم على صعيد حياتهم المادية والمعنوية، كما أنها لا تقتصر على أهل ذلك الزمان، بل تمتد على امتداد التاريخ بأسره (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

والاحتفال بذكرى مولده – صلى الله عليه وآله وسلم – من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب له – صلى الله عليه وآله وسلم – ، ومحبة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – أصل من أصول الإيمان، وقد صح عنه – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال: ” والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده”، وأنه – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين”.

قال ابن رجب : “محبة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – من أصول الإيمان، وهى مقارنة لمحبة الله – عزَّ وجل – وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدَّم عليها محبة شئ من الأمور المحببة طبعاً من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، قال الله – تعالى – : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، ولما قال عمر للنبى – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” أنت أحبُّ إلىَّ من كل شئ إلا نفسى، قال: لا يا عمر . حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: والله أنت الآن أحبُّ إلىَّ من نفسى، قال: الآن يا عمر”.

والاحتفال بمولده – صلى الله عليه وآله وسلم – هو الاحتفاء به، والاحتفاء به أمر مقطوع بمشروعيته؛ لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى، فقد علم الله – سبحانه وتعالى – قدر نبيه ، فعرَّف الوجود بأسره باسمه، وبمبعثه، وبمقامه، وبمكانته، فالكون كله فى سرور دائم وفرح مطلق بنور الله، وفرجه، ونعمته على العالمين، وحجته.

وقد درج سلفنا الصالح منذ القرن الرابع والخامس على الاحتفال بمولد الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه بإحياء ليلة المولد بأنواع شتى من القربات من إطعام الطعام، وتلاوة القرآن والأذكار، وإنشاد الأشعار والمدائح فى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – كما نص على ذلك غير واحد من المؤرخين مثل الحافظين: ابن الجوزى، وابن كثير، والحافظ ابن دحية الأندلسى، والحافظ بن حجر، وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطى رحمهم الله تعالى.

وألَّف فى استحباب الاحتفال بذكرى المولد النبوى الشريف جماعة من العلماء والفقهاء، بينوا بالأدلة الصحيحة استحباب هذا العمل؛ بحيث لا يبقى لمن له عقل وفهم وفكر سليم إنكار ما سلكه سلفنا الصالح بذكرى المولد النبوى الشريف، وقد أطال بن الحاج فى [المدخل] فى ذكر المزايا المتعلقة بهذا الاحتفال، وذكر فى ذلك كلاماً مفيداً يشرح صدور المؤمنين، مع العلم أن ابن الحاج وضع كتابه المدخل فى ذم البدع المحدثة التى لا يتناولها دليل شرعى.

قال خاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطى فى كتابه [ حسن المقصد فى عمل المولد ] بعد سؤال رفع إليه عن عمل المولد النبوى فى شهر ربيع الأول: ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل يثاب فاعله؟ قال: ” والجواب عندى أن أصل عمل المولد الذى هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة فى مبدأ أمر النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – وما وقع فى مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط فيأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك؛ هو من البدع الحسنة التى يثاب عليها صاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.

وقد ردَّ السيوطى على من قال: “لا أعلم لهذا المولد أصلاً فى كتابٍ ولا سنة” بقوله: ” نفى العلم لا يلزم منه نفى الوجود” مبيناً أن إمام الحفاظ أبا الفضل ابن حجر رحمه الله تعالى قد استخرج له أصلاً من السنة، واستخرج له هو – يعنى السيوطى – أصلاً ثانياً موضحاً أن البدعة المذمومة هى التى لا تدخل تحت دليل شرعى فى مدحها، أما إذا تناولها دليل المدح فليست مذمومة.

روى البيهقى عن الشافعى – رضى الله تعالى عنه – قال: ” المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة، والثانى: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال سيدنا عمر بن الخطاب – رضى الله تعالى عنه – فى قيام شهر رمضان : ” نعم البدعة هذه “، يعنى أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فلس فيها رد لما مضى” هذا آخر كلام الشافعى.

قال الإمام السيوطى: ” وعمل المولد ليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا اجماع، فهى غير مذمومة كما فى عبارة الشافعى، وهو من الإحسان الذى لم يعهد فى العصر الأول، فإن إطعام الطعام الخالى عن اقتراف الآثام إحسان، فهو إذن من البدع المندوبة، كما عبر عنه بذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام”.

وأصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوبة وقربة؛ لأن ولادته أعظم النعم علينا، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، وهذا ما رجحه ابن الحاج فى المدخل حيث قال: ” لأن فى هذا الشهر منَّ الله تعالى علينا بسيد الأولين والآخرين، فكان يجب أن يزاد فيه من العبادات والخير وشكر المولى على ما أولانا به من النعم العظيمة”.

والأصل الذى خرَّج عليه الحافظ ابن حجر عمل المولد النبوى هو ما ثبت فى الصحيحين من أن النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكراً لله تعالى، قال الحافظ: ” فيستفاد منه: فعل شكر الله على ما منَّ به فى يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك فى نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات كالسجود، والصيام، والصدقة، والتلاوة، وأى نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبى، نبى الرحمة فى ذلك اليوم؟!.

ويؤكد الحافظ بن حجر على مظاهر ذلك الاحتفال فيقول: “فينبغى أن نقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة، والإطعام، وإنشاد شئ من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة، وما كان مباحاً يقتضى السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به”.

ونقل السيوطى عن إمام القراء الحافظ شمس الدين بن الجزرى من كتابه [ عرف التعريف بالمولد الشريف ] قوله: ” إنه صحَّ أن أبا لهب يخفف عنه العذاب فى النار كل ليلة اثنين لإعتاقه ثُوَيْبَة عندما بشرته بولادة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – فإذا كان أبو لهب الكافر الذى نزل القرآن بذمه جوزى بفرحه ليلة مولد النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – فما حال المسلم الموحد من أمة النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – يُسَرُّ بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته فى محبته؟ لعمرى إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم.

وأنشد الحافظ شمس الدين الدمشقى فى كتابه المسمى [ مورد الصادى فى مولد الهادى ]:

إذا كان هذا كافراً جاء ذمه
أتى أنه فى يوم الاثنين دائماً
فما الظن بالعبد الذى كان عمره

وتَبَّتْ يداه فى الجحيم مُخَلَّداً
يُخَفَّفُ عنه للسرور بأحمدا
يأحمد مسروراً ومات موحداً

  كما يمكن الاستدلال بعموم قوله – تعالى – : ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)، فلا شك أن مولد النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – من أيام الله فيكون الاحتفال به ما هو إلا تطبيقاً لأمر الله، وما كان كذلك فلا يكون بدعة، بل يكون سنة حسنة، حتى ولو لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ونحن نحتفل بمولده – صلى الله عليه وآله وسلم – لأننا نحبه، ولِمَ لا نحبه وقد عرفه وأحبه كل الكائنات، فهذا الجذع وهو جماد أحبَّ النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – وتعلق به واشتاق إلى قربه الشريف، بل وبكى بكاءً شديداً تشوقاً للنبى – صلى الله عليه وآله وسلم – وقد تواتر هذا الخبر وصار العلم به محتم.

ومما سبق ذكره من أقوال الأئمة كابن حجر، وابن الجوزى، والسيوطى، وغيرهم، وتبين أن هذا حال الأمة من القرن الخامس الهجرى، نرى استحباب الاحتفال بالمولد الشريف موافقة للأمة والعلماء، وأن يكون الاحتفال بما ذكر من تلاوة القرآن والذكر وإطعام الطعام، وألا يتطرق إليه مظاهر مذمومة كالرقص والطبل وما إلى ذلك، ولا عبرة بمن شذَّ عن هذا الإجماع العملى للأمة وأقوال هؤلاء الأئمة، وليس ذلك الاحتفال بكثير على النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – الرحمة المهداة حبيب رب العالمين.

بمناسبة الإحتفال بالهجرة النبوية المباركة

على الرغم من أن جميع مؤلفات مولانا الإمام الجعفرى لم تخلُ من مدح النبى –صلى الله عليه وآله وسلم- والكلام عن شمائله المحمدية وصفاته الخَلْقية والخُلُقية إلا أنه –رضى الله تعالى عنه- أن يفرد مؤلفاً خاصاً بسيرة مختصرة لرسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- تهفو إليها أرواح المحبين الصادقين، وتنعم به قلوبهم ، وتصفو بها نفوسهم ، فكان ذلك فى (السيرة النبوية المحمدية) التى يقول عنها شيخنا: (قد منًَ الله علىَّ بتأليف هذا المولد الشريف بالجامع الأزهر ذى العلوم الأزهرية . اقتصرت فيه مع الإيجاز على بعض سيرة سيدنا ومولانا رسول الله . وفى أول تأليفه رأيت فى النوم سيدنا جبريل عليه السلام رؤية ظاهرة جلية . فسلمت عليه ، وسألته الدعاء، فقال لى : “الله يتمم ” فتمم الله هذا المولد ببركة دعائه والحمد لله).

 ونقدم بعض من فصول كتاب السيرة النبوية لشيخنا الإمام الجعفرى

الفصل الخامس عشر

فى هجرته صلى الله عليه وآله وسلم

وكان صلى الله عليه وآله وسلم عظيم الصبر على أذى المشركين له ويدعو لهم بالهداية إلى الشريعة المحمدية . حتى أذن الله تعالى له بالهجرة إلى طيبة التى هى احب البلاد إلى الله .

وكان رفيقه صلى الله عليه وآله وسلم فى هجرته المباركة ذا المنزلة الصديقية أفضل الصحابة سيدنا أبو بكر الصديق الذى رضى الله عنه وأرضاه وقد ظهرت له صلى الله عليه وآله وسلم فى طريق هجرته معجزات صحيحة مروية . كنسج العنكبوت وبيض الحمامة وحجب أبصار الكفرة عن مرآه ، ودر شاة أم معبد التى ما بها قطرة لبنية . وقد ساخت قوائم فرس سراقة بن جعشم  لما دنا من حبيب الله ومصطفاه .

ورد الله تعالى عنه صلى الله عليه وآله وسلم الكفار بالخيبة الخذلانية . ونجى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالحفظ والسلامة وحفظه وتولاه .

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

الفصل السادس عشر

فى دخوله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة المنورة

وكان قد جاءه صلى الله عليه وآله وسلم ما يزيد على السبعين من الأوس والقبيلة الخزرجية . فآمنوا به صلى الله عليه وآله وسلم فبعث صلى الله عليه وآله وسلم اثنى عشر نقيبا يعلمونهم  القرآن والفقه وماوالاه . فآمن به صلى الله عليه وآله وسلم خلق كثير وانتشر الإسلام فى الأراضى اليثربية . وقدم صلى الله عليه وآله وسلم عليهم المدينة يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول الذى هو تاريخ ولادته كما رويناه . ولما دخل صلى الله عليه وآله وسلم المدينة استقبله أهلها بالبشر والسرور والمدائح الشعرية . ولما أرادوا أن ياخذوا  بزمام الناقة قال صلى الله عليه وآله وسلم : دعوها فإنها مأمورة ، فجاءت عند  مكان المسجد النبوى المسمى الآن بمبرك الناقة وبركت بإذن الله . فأخذ أبو أيوب الأنصارى رضى الله تعالى عنه رحله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته بالفرح والسرور وحسن النية . وكل يقول تنزل عندى يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أين الرحل؟ فقال أبو أيوب : هو عندى يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يبيت الرجل حيث بات رحله ، فيا سعد أبا أيوب ويا بشراه .

ثم بنى صلى الله عليه وآله وسلم المسجد وتتابع الوحى بالأحكام الشرعية . وجاءه المهاجرون والانصار وقد ترك كل وطنه ومأواه . جاءوا مهاجرين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بعزيمة وقوة يحملون السيوف الهندية . فقوى الجيش بأخطر سلاح وأقواه .

(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

من الخطب المنبرية لفضيلة الشيخ عبد الغنى صالح الجعفرى

مسئولية الكلمة

الحمد لله على نعمة الإسلام وكمال الإيمان.

وأشهد أن لا إله إلا الله. رضينا به ربًّا وبالإسلام دينًا.

وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله نبي الرحمة وهادي الأمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه.

أما بعـد :

اللسان نعمة عظيمة إن صاحبه صانه، نقمة على صاحبه إن أطلقه أهانه، وهو عجيب من عجائب خلق الله، صغير حجمه كبير أثره.

هو عنوان القلب وترجمان الضمير، فترى الكفر والإيمان، والبُغض والمحبة، والشر والخير، والسفاهة واللطافة، ولا يستبين شيء منها ولا يعرف حق المعرفة إلا باللسان، ثم لا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا ينطقه ولا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفه عن كل ما يخشى غائلته من عاجله وآجـله.

وقد يتساهل كير من الاحتراز من غوائله وهي كثيرة متعددة، يرغي ويزبد فيها اللسان، وهو كالمنجل يقطع ويخرق ويجرح، وصحبه لا يبالي من جرح ومن قطع ومن قتل، فترى الغيبة والنميمة وهي من الأخلاق الذميمة، يطلقها اللسان وتخرج منه كالأفعى الرقطاء.

والكذب وفحش القول والمراء والجدال، كل أولئك آفات لا يجني الإنسان من ورائها خيرًا، إنما يكسب بها إثمًا وضررًا، وهي لا تصدر إلا عن السان، ففي الأمثال قالوا: «ما فيك يظهر على فيـك».

والغيبة ذكرك أخاك بما يكره. قالوا: ولو في وجهه، وهي والعياذ بالله أخطر آفات اللسان، وكفاها ذمًا وقبحًا أن شبهها الله- تعالى- في الكتاب بأكل لحم الميتة، قال تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ) (الحجرات: من الآية12).

ويقول الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم-: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه يتتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» [مسند الإمام أحمد- عن أبي برزة الأسلمي- رضي الله عنه].

وعلاج هذه الآفة الضارة «أن يعلم الإنسان ويشعر نفسه دائمًا بأنه إذا اغتاب يكون معرضًا للسخط من الله- تعالى- والغضب، ويستحر أن الغيبة محبطة للحسنات يوم القيامة، وما أفقر العبد إلى حسنات كثيرة في ذلك الموقف يوم كشف الحساب تقيه أهوال العذاب.

وفي النميمة إفشاء للسر، وهتك للعرض والستر، ونقل الكلام للإيقاع بين الناس، وهي من أشد الآفات ضررًا، وأبلغها أثرًا في تصدع وحدة المجتمع، وخلق الفرقة والشتات بين الإخوة والأحباب والأصدقاء والأهل والأقرباء، فهي داعية للتفرق، وعامل للتشتت، ومعول للهدم في صرح الأمة الواحدة.

قال- صلى الله عليه وآله وسلم- في بيان سوء صاحبها:

«ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى. قال المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب» [في شعب الإيمان، عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية].

وكما يجب عليك أن تصون لسانك من الوقيعة بين الناس يجب عليك أن لا تسمع لقول نمام، فإن النمام لا يكون صادقًا، ومن الإثم أن تسمع الكذب.

روي أن سليمان بن عبد الملك كان جالسًا عنده الزهري، فجاءه رجال، فقال يا سليمان: بلغني أنك وقعت فيّ وقلت كذا وكذا.

فقال الرجل: ما فعلت ولا قلت.

فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق.

فالتفت الشيخ الزهري وقال: لا يا سليمان. لا يكون النمام صادقًا.

فقال له سليمان: صدقت يا شيخ.

ثم قال للرجل: اذهب لحالك بسلام.

وأنت أيها المسلم إذا قبلت قول النمّام قد آذيت نفسك بضيق صدرك مما سمعته، وربما أخذت مأخذًا آخر على الذي تقول عليه وأضمرت له الشر أو المقاطعة، وأخذت في نفسك منه بدون تدبر لمجرد الاستماع إلى النمّام، وربما يكون غرضه التفرقة والخصام، ثم إنك شجعته على إثمه، ثم إنك لا تأمنه أن ينقل عنك الرد أو يتقوله عليك، فقد قيل: «من نم لك نم عليك». ولابد للإنسان من أن يتدبر العاقبة فلا يقع فيما يغضب الرب، ويكثر الذنب.

والكذب ولو مزاحًا هو من فواحش العيوب، يسقط الهيبة، ويبهت الوجه، ويودي بالشرف، ويزري بصاحبه، ويسلب منه ثقة الناس فيه، ولا يزال الكذاب يطلب لسانه بالكذب حتى يُعرف به، فلا يسمع له حديث ولو كان صادقًا إلى أن يُكتب عند الله كذابًا.

قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا» [رواه البخاري في صحيحه- كتاب الأدب- من حديث أبي وائل عن عبد الله].

وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «إن العبد ليكذب الكذبة فيتباعد المَلَك مسيرة ميل من نتن ما جاء به» [سنن الترمذي- البر والصلة- عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنه].

وهو آية من آيات النفاق، حيث قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» [رواه البخاري في صحيحه- كتاب الإيمان- عن أبي هريرة- رضي الله عنه]. والكذب أنواع متعددة كما جاء في الحديث [رحم الله رجلاً حفظ لسانه مما يغضب الله والناس».

وقد جعل سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- النجاة في حفظ اللسان عندما سأله الصحابي قائلاً: ما النجاة يا رسول الله؟

«فقال له: أمسك عليك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك» [رواه أحمد في المسند، والترمذي في سننه عن أبي أُمامة عن عقبة بن عامر- رضي الله عنهما].

الإخـوة المؤمنون :

جاء في الأثر أن لقمان الحكيم طلب من ابنه ذات يوم أن يذبح له شاة ويأتي له بأحسن قطعة لحم منها فأحضر له اللسان، ثم طلب منه أن يحضر له أسوأ قطعة لحم منها فأحضر له اللسان.

ومدلول هذه القصة التي تناقلتها الروايات المتعددة أن اللسان نعمة عظيمة من نِعَم المولى عز وجل إن صانه صاحبه. فقد جاء في الأثر «لسانك حصانك إن صنته صانك وإن أطلقته أهانك».

فأطلق لسانك يا عبد الله في ذكر الله واجعله رطبًا به، وأقرأ به القرآن فإنه نور على الصراط وفي القبر، وأفد به علمًا ونصحًا لعباد الله، فالكلمة الطيبة صدقة، ما أكثر ما يُستفاد من اللسان إن نطق أو سكت!!

قال عبد الله بن مسعود «والذي لا إله إلا هو ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان».

ويوصي رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- في وصية لأبي ذر- رضي الله عنه-: «عليك بطول الصمت» [في شعب الإيمان عن أبي ذر- رضي الله عنه].

فاللسان السائب حبل مرخي في يد الشيطان يصرف صاحبه كيف شاء، فقد قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» [مسند أحمد- عن أنس- رضي الله عنه].

ويقول- صلى الله عليه وآله وسلم-: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتائب حبيب الرحمن».

اسألوا الله العفو والعافية فإن الله يحب أن يُسأل.


الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أحصى كل شيء، وهو الرقيب على كل شيء، وهو العليم بكل شيء.

وأسهد ألا إله إلا الله. قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18).

يحصي الكلمات، ويسجل العبادات، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

وأشهد أن سيدنا ومولانا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا بن عبد الله، رسول الله وعبده وخليله ورحمته المهداة للعالمين. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الذين ما فرغت ألسنتهم عن ذكر الله حتى لقوا الله.

أيها الأخ المسلم:

بعد تلك المقدمة الطويلة عن خطر اللسان وأثره في المجتمع إذا أطلقه صاحبه بقول كل شيء بدون وعي وإدراك؛ علينا أن نعي وأن نعرف أن مسئولية الكلمة عظيمة وخطيرة، ولخطورتها حذرنا رسول الله- المربي والمعلم- صلى الله عليه وآله وسلم- من أن نحدِّث الناس بكل ما نسمعه أو نعرفه فقال: «كفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّث بكل ما سمع» [رواه مسلم في صحيحه عن حفص بن عاصم، ورواه أبو داود].

والمؤمن الحق يفكر قبل أن ينطق، فقد تكون كلمة واحدة سببًا في تدمير أمة بأسرها، ومن تبع سيرة الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم- يدرك مدى أهمية الكلمة فلا ينطق إلا بما هو ضروري أو لمصلحة.

«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» [رواه مسلم والبخاري بنحوه].

هذا توجيه نبوي كريم من صاحب الوحي العظيم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

ويقول الإمام عليّ- كرم الله وجهه-: «اللسان العاقل وراءه قلب عاقل».

وليس كل ما يُسمع يُقال، وليس كل ما يُسمع يُنشر.

أيها المسلمون :

إننا نعيش في هذه الأيام حالة حرب نفسية مع الدول الصليبية ومن سلك طريقهم ونهج نهجهم، والاتفاق ظاهر على محاربتنا في إذاعاتهم المأجورة الكاذبة. تطلق الإشاعات والأكاذيب والافتراءات، تحاربنا ببث الإشاعة الضارة فتكيل التهم وتخلق الأحداث الكاذبة والأقاويل، كل ذلك يحدث من إذاعة إسرائيل وسوريا وليبيا ولندن صباح مساء، وفي إذاعة الانفصاليين حشدوا لها المرتزقة والمأجورين، هذه الإضاعات للأسف وجدت من يسهر عليها سماعًا، ويقف أمام مفتاح الراديو يقلبه شرقًا وغربًا ثم يخرج صباح يومه إذاعة متنقلة لإسرائيل، وإذاعة متنقلة للندن، وينشر السموم بدون وعي ولا إدراك: لندن قالت كذا، وكذا قالت… وهو بذلك يعمل أخطر عمل ضد وطنه وأهله، وإن مثل هذا العمل وهذا النشر يفتت وحده الجبهة الداخلية، ويجعل الناس تعيش في هلع من الأكاذيب.

إن سلامة الجبهة الداخلية من الإشاعة الكاذبة ومن مداخل الحرب النفسية أمر هام، والدول العالمية عندما تكون في مثل ما نحن فيه تحرم على شعوبها سماع إذاعات الدول المناوئة، وقد كان ذلك في أيام الحرب لا تسمع محطة ألمانيا ولا إيطاليا، فعلينا أن نعي ونسمع ونقول: إن الحرب النفسية من أخطر الحروب لتفتيت الجبهة الداخلية، فنقل ما تقوله الإذاعات المناوئة في المجتمعات، والقهاوي، وتحت البراندات من أخطر العوامل التي تسبب الذعر والهلع في نفوس البسطاء.

أيها المؤمنـون :

إن بلادنا تمر بأخطر مرحلة في تاريخها، وهي مرحلة الاعتماد على النفس، ونحن نطبق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن ترضى علينا الدول الصليبية، فهذا قدرنا والله معنا والله ناصرنا، وعلينا أن نتمسك بهدي رسول الله، ونقدر مسئولية الكلمة فهي تهوي بصاحبها إلى النار، ولا يكب الناس في النار إلا حصائد السنتهم.

وصلوا على نبيكم فالصلاة عليه ذخر وزاد.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد صاحب الخُلُق العظيم، والقدر العظيم، وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

اللهم ارزقنا لسانًا رطبًا بذكرك وشكرك.

اللهم اعقد ألسنتنا عن اللغو الفاحش.

اللهم انصرنا بنصرك العزيز، واجعل اتكالنا عليك لا على غيرك، وامنحنا عفوك ورضاك يا أرحم الراحمين.

عبـاد الله :

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90).