الحج
في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِين َ ãفِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 96، 97].
بمناسبة موسم الحج – ذلك الفضل الكبير من الله العلي القدير على الأمة الإسلامية، والله – سبحانه وتعالى – عليم بخلقه وأحوالهم، وأنهم يخطئون ويذنبون وأنهم في حاجة إلى كفارات تكفر السيئات، وتغفر الخطايا، ففرض فراضه على عباده لحكمتين:
الأولى: تطهير العباد من الذنوب.
الثانية : يدخلهم بها الجنة.
وهذا من حكمته – سبحانه وتعالى -، علم بذنوب خلقه، واحتياجهم بعد الموت إلى دور يسكنونها، ورزق يأكلون منه، فكتب الفرائض، وجعلها كفارات للخطايا، وسبباً في سكنى الجنة، وراحة للعباد بعد الموت.
ذلك هو التشريع الذي سمى صاحبه نفسه العليم الحكيم، وهو لا يخطئ، ولا يخلو تشريعه من الحكمة، في الدنيا والآخرة، فالمشرع – سبحانه وتعالى – هو رب الدنيا والآخرة، وهو المشرع للعالمين، فلا يجاوز الصواب تشريعه.
وأما الذين يشرعون من دونه فلا يعلمون شيئاً، وفاقد الشيء لا يعطيه، كيف يشرعون وهم لا يخلقون؟ كيف يشرعون وهم في بُعد عن العباد، لا يعلمون ما في قلوبهم، ولا أرزاقهم ولا موتهم ولا حياتهم؟، فالمشرع من دون الله مغتصب، ولا ينفع تشريعه أحداً، لأنه عادى المشرع الحق فيما يقول، ولأن لازم المقدمات بحسب المقدمات آت، وإذا كانت المقدمات كالخيال، فقد سبقتها لوازمها بكونها من الخيال أيضاً.
أما الخالق – سبحانه وتعالى – فتشريعه مليء بالحكم الدنيوية والأخروية، وقد شرع الله – تعالى – الحج، وأودعه حكماً كثيرة، ومنافع عديدة، لا يحصيها مخلوق، ولا يمكن لمخلوق أن يدرك أسرار الحج كلها.
ولما كان الحق – سبحانه وتعالى – منزهاً عن الجهة والمكان، فقد بنى بيتاً، ونسبه إليه، فتشرف البيت بنسبته إلى الله – تعالى – وسماه «البيت العتيق» أي القديم الذي تشرف منذ أمد بعيد، والمسلمون إذا وصلوا إليه طافوا حوله، فما الحكمة في ذلك؟
يعلمهم الله – سبحانه – أنه ليس كمثله شيء، فمن ذهب ليبت دخل على صاحبه من الباب
(وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)[البقرة: 189] – هذا للمخلوقين.
أما الخالق – سبحانه وتعالى – فلا يؤتي من باب، والله سبحانه وتعالى ليس بظرف ولا مظروف، فجعل عباده إذا جاءوا يطوفون حول البيت. وهذا لا يتأتى لأحد سوى الله – سبحانه وتعالى – فلا نطوف ببيت مخلوق أبداً، بل لله – تعالى – وحده، وذلك إشارة إلى أنه ليس لله تعالى – زمان ولا مكان فإذا طفنا حول بيته (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)[البقرة: 115] – أي هناك وجه الله أينما توجهتم: يميناً أو يساراً فالله معكم.
فبيت رب الأرباب ليس كبقية البيوت، وإنما هو رمز وامتحان لعباده، يذهبون للبيت امتثالاً للأمر، وهو تعالى هنا.. هنا.. هناك.. هناك، ويكون الذهاب اختباراً للإيمان، ونطوف حول البيت في حالة شهود رباني، والطائف بالبيت يعتريه حال لا يعتريه في مكان آخر، وفي عبادة أخرى، فقلبه يشعر بالقرب الرباني، فيتلقى أسراراً عليا، ويشعر بخضوع وخشوع لله – تعالى – (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)[الأنفال: 2]، ومعنى «آياته» أدلة وعلامات تدل على وجود الله – سبحانه وتعالى -، ومن أجل الآيات: القرآن الكريم، فهو آيات عظيمة تدل على وجود الله، والبيت العتيق آية كبرى من آيات الله، فإذا وصلت إلى البيت، وطفت به، لمت أنه ليست له جهة، ولا تمسه الأيدي، ولا تدركه الأبصار. سبحانه خلق الخلق وجعل لهم صفات، وتنزه أن يتصف بصفة من صفات خلقه – ملائكة وإنساً وجناً – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والإنسان يحترم الإنسان إذا استقبله، فيستلم يمينه وقد يقبل هذه اليمين احتراماً، والمؤمن يستلم الحجر الأسود، ويقبله، تعظيماً وإجلالاً لله – تعالى – كلما سمع حديث المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – ذلك الحديث الذي قرأته في «النهاية» لابن الأثير.
«الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده» ورواه الخطيب البغدادي وابن عساكر عن جرير، وإنما قبله النبي – صلى الله عليه وسلم – لما علم أنه بمنزلة يمين الله في الأرض، هذا الكلام قاله ابن الأثير، وما رأيت إنساناً تكلم بمثل هذا الكلام، تعالى الله عن يمين، وإنما المعنى في التقبيل: الاحترام والتعظيم، هذا حجر؟ نعم، أقبله احتراماً وتعظيماً لله – تعالى -، وهذا البيت مبني من حجار؟. نعم! أطوف به احتراماً وتعظيماً لله – تعالى -.
أما عن سيدنا عمر – رضي الله عنه – فعندما استلم الحجر وقبله رأى حوله من المؤمنين من كان حديث عهد بالإسلام، وكانوا من زمن قريب مشركين يعظمون الحجارة، فأراد أن يفرق بين احترام المسلمين للحجر، واحترام المشركين له، فقال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ثم أراد أن يتبرأ من حوله وقوله وأن يبين أنه ليس مشرعاً، فقال: ولولا أنني رأيت رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يقبلك ما قبلتك.
فمقالة عمر الأولى إنما هي للتفريق بين المسلمين والمشركين، وليسمع عبدة الحجارة أن المسلم بتعظيمه للحجر الأسود إنما يعتقد أنه لا ينفع ولا يضر بشيء، ولكن إنما يقبله احتراماً وامتثالاً لشريعة الله والرسول، فالتقبيل سنة.
فيا معشر المسلمين: قبلوا الحجر الأسود من أجل العمل بالسنة، والناس اليوم يحرفون كلام عمر – رضى الله عنه – ويزعمون أنه ينهي عن زيارة الأولياء!! كما زعموا أن شجرة بيعة الرضوان قطعت حتى لا يعظمها الناس.
وقد رأيت في صحيح مسلم بشرح النووي أن الصحابة جاءوا في العام التالي للبيعة فضلت عنهم الشجرة – أي لم يهتدوا لمكانها – وهذا معناه أنها لم تقطع.
وهذا الحديث بإسناد صحيح، ولم تحدث فتنة بين الصحابة أبداً، فقد تلقيت عن الشيخ عبد المجيد اللبان في التفسير أن الصحابة – رضوان الله عليهم – قد ثبت فضلهم بالآيات القرآنية المتواترة، وهذا لا ينقضه إلا المتواتر مثله فلا نعتقد في الصحابة إلا ما وصفهم الله – تعالى – به، ولا نتكلم في سلوك الصحابة ولا في أخلاقهم، إلا إذا جاءنا حديث صحيح متواتر.
قال – تعالى -: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)[الأنعام: 38] ، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ )[البقرة: 134]. لم تحضروهم، وماتوا من قبلكم، (لها ما كسبت)من الخير، (ولكم من كسبتم)
فهذا أحسن حديث وأحسن جواب.
حديث: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -:
«الله الله في أصحابي – يذكرنا بهم – لا تتخذوهم غرضاً من بعدي» [رواه الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن فضلة المزني]. يعني: لا تغتابوهم، ولا تتكلموا فيهم بما لا يليق.
وقال العلامة الشيباني في منظومته:
وأن قاتلهم ومقتولهم في جنة الخلد قد خُلّدا
فمن أنت حتى تتكلم عن الصحابة؟، قل يا أخي: رضي الله عنهم.
قال – صلى الله عليه وآله وسلم -: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» [رواه الطبراني في الكبير عن ابن عمر].
وذلك في غير المدح وذكر الخير في حقهم، إذا ذكر الصالحون فحيهل بعمر، وبذكرهم تتنزل الرحمات: تتنزل عليك وعليهم، وإذا اغتبت ميتاً ينزل العذاب للمغتاب، ولا يصيب الميت شيء.
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) لم تكن هناك بيوت في الأرض للعبادة، فأولها بيت الله (الكعبة)، وقد بنته الملائكة، (الذي) هو موجود (ببكة) تسمى بكة ومكة، فهي تبك الجبارين عنها أي تدفعهم كما بكت أصحاب الفيل، وتسمى كذلك: أم القرى. (مباركاً) فيه بركة، وما هي البركة؟: عندما تنزع حديقة فيها فاكهة، وتقول: يا عباد الله: كل من يدخل يأ:ل كما يحب بلا حساب، فإن الناس يدخلون خماصاً، ويعودون بطاناً، ومعنى (مباركاً): فيه بركات كثيرة جداً، فمن جاء مذنباً أخذ المغفرة، ومن جاء فقيراً أخذ الغنى، ومن جاء ضالاً أخذ الهدى، ومن جاء غضوباً أخذ الحلم، ومن جاء بعيداً عن الله أخذ القرب، ومن جاء بخيلاً أخذ الكرم، ومن جاء سيئاً أخذ الإحسان، فهو مكان فيه بركات لكل من جاء من العباد والبركات في البيت العتيق لا ترى بالنظر، بل تدرك بالقلب والعقل فهي روحانيات رحمانية، فإذا وصلت طارت إليك كالطير فيملأ قلبك بالنور والحكمة، (مباركاً وهدى)، فالهدى هو تلك الأسرار التي تهبط على قلبه، فتهديه إلى الله ( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ )[النور: 35].
(للعالمين): تدل على ما سوى الله، والمراد به ها هنا المؤمنون، لأن الكفار لا مكان لهم فيها، قال – تعالى -: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [التوبة: 28] (فيه آيات بينات): سبحان الله، قد بين المقصود بالعالمين، حتى لا يسأل أحد فيقول: هذه الآيات: أهي للصالحين أم للمتقين؟ بل هي للعالمين كلهم ولو كان ذلك الزائر من الفساق، فهذه حكمة من الله –سبحانه وتعالى-.
وهذا البيت بيت الملائكة أولاً، ووضعوا الحجارة في أساسه، ثم بنوا فوقها، فلما جاء الطوفان
–نقض نوح- عليه السلام- حجارة البيت حتى لا يجرفها الطوفان، ثم أخذ الحجر الأسود ونادى جبل أبي قبيس أن خذ هذا الحجر، واحفظه حتى يأتي إبراهيم –عليه السلام- فأعطه له.
ثم جاء إبراهيم –عليه السلام-، فأمر بحفر موضع البيت، فأخذ يحفر هو وابنه إسماعيل –عليهما السلام- في الموضع الذي حدده جبريل –عليه السلام-، حتى ظهر الأساس (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [البقرة: 127]. يرفعانها: يظهرانها من الأرض، ولقد أخبرنا الله –تعالى- أن الذي بنى البيت هو إبراهيم، فلما ظهرت القواعد أخذ يبني فوقها، فلما ارتفع البناء جاء بحجر ووقف عليه، فكان الحجر يرتفع به ويهبط –كالمصعد- فقد أوجده الله –تعالى- لإبراهيم من قبل أن تخترعوه، وكلك المنطاد أوجده لسيدنا سليمان قبل أن يخترعوه، والقنابل أوجدها لأصحاب الفيل، واللاسلكي أو الراديو – أوجده لسيدنا عمر بن الخطاب فتكلم وسمع المخاطب كلامه على بعد مسيرة شهر كامل!
فكان الحجر يرتفع بسيدنا إسماعيل، ثم يهبط به مرة أخرى، فالبناء كان إبراهيم والمناول هو إسماعيل. والمهندس هو جبريل بأمر الملك الجليل.
ولما تم البناء وقف سيدنا إبراهيم على الحجر، فغاصت قدماه في الحجر الصلب وهذا الموضوع موجود إلى اليوم، وهو مقام إبراهيم، وهو ليس بمقام الدفن فهو مدفون في مدينة الخليل، وإنما المقام مكان الوقوف، والله – سبحانه وتعالى – يكلمنا ويعلمنا أن الباني إبراهيم، والعلامة هي أثر قدميه في الحجر (فيه آيات بينات) : فيه علامات دالات على صدق كلامي بأن الباني إبراهيم، والعلامات هي مقام إبراهيم – مكان قدميه – عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-.
ولقد سمعت كلاماً واضحاً من الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – قال: أنا وضعت الماء مكان قدمي سيدنا إبراهيم وغسلت وجهي وشرب منه، ولما ذهبت لبيت المقدس وضعت الماء في مكان قدم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وقارنت بين الاثنين، فوجدت مقاربة في الطول والعرض بين القدمين.
وفي حديث الإسراء والمعراج – الذي رواه البخاري – أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «ورأيت إبراهيم الخليل مستنداً إلى البيت المعمور وإذا أشبه الناس به صاحبكم» فالشيخ الشنقيطي – رحمه الله – صادق في كلامه.
(آيات): علامات دالات على صدق القول، فالمكان الذي أثرت فيه قدما إبراهيم – عليه السلام – باق إلى يوم القيامة.
(وَمَنْ دَخَلَهُ ) : أي البيت الحرام، (كان آمناً)وكلام الله – تعالى – لا يبدل (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الأنعام: 115]. هذا حكم الله، فمن دخله كان آمناً من مخاوف الدنيا والآخرة، وهذا من أسرار الحج، وهذا الأمن جعل بعض الأئمة يرى ألا يقام الحد على أحد وهو في الحرم، ورأى البعض الآخر أن يضيق عليه حتى يخرج من الحرم، والبعض الآخر قال: يقام عليه الحد. فقد ورد فى صحيح مسلم عن عمرو بن سعيد أنه قال: «إن الحرم لا يعيذ عاصياً، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة»، والخربة هي سرقة الإبل وتطلق على كل خيانة، وقد تلقيت ذلك عن فم الشيخ السمالوطي الذي قرأه في صحيح مسلم.
(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وقرئ – بفتح الخاء – في قراءة ومعناها أن الأمم السابقة كانت تصلي فيه، وشرع ما قبلنا شرع لنا، ما لم يرد ناسخ.
ومعنى قراءة الكسر: أي صلوا فيه، فما هي درجته ومنزلته لنصلي عنده؟ لأن فيه أثر خليل الله – عليه السلام – مكان قدمي سيدنا إبراهيم الخليل والله – سبحانه وتعالى – قد احترم هذا المكان وعظمه، وأمر عباده أن يتخذوه مصلى، وأمرهم بالدعاء عنده، فهو يقبله إكراماً للخليل – عليه السلام – ولأثره – عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام -، والله – سبحانه وتعالى – رفع قدر الأنبياء وآثارهم في أي مكان جلسوا فيه، أو ساروا عليه. والصلاح والتقوى من عند الله – سبحانه وتعالى -.
وفي رحلة الإسراء قال جبريل للنبي – صلى الله عليه وآله وسلم -: انزل صل ركعتين ها هنا، فنزل وصلى، ولما فرغ من صلاته قال له جبريل: أتدري أين صليت؟ قال: لا، قال: صليت عند الشجرة التي استراح إليها موسى بعدما سقي لابنتي شعيب، فاستراح عندها من التعب، وقال:
(رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)[القصص: 24].
أي إنني فقير إليك في هذه الساعة لما أعطيتني من خير فيما مضى، فأعطني من فضلك الذي لا ينقطع.
وقال الشيخ الدردير – في حاشيته على قصة الإسراء والمعراج لنجم الدين الغيطي:
من هذا الحديث يؤخذ جواز التبرك بآثار الأنبياء والصالحين لأن المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – نزل من على البراق من أجل قطعة الأرض التي جلس فيها موسى بن عمران، احتراماً وإكراماً له، وشكراً لله – تعالى -.
ويكرم الرجل إذا كان أبواه صالحين، أوجده، قال الله تعالى في شأن اليتيمين صاحبي الكنز:
(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) [الكهف: 82]، قال ابن عباس – رضى الله عنهما – كان الصالح – هو جدهما التاسع، فربنا – سبحانه وتعالى – قد احترمهم وأكرمهم من أجل الجد التاسع.
إبراهيم وإسحاق وسارة – عليهم السلام – مدفونون في فلسطين، هم وكثير من الأنبياء، كيف دفنوا؟ سبحانك! قولوا: سبحان الله! هناك جبل عال أعلى من المئذنة – وهذا الجبل متسع من أعلاه، وفي وسطه باب منحوت، يدخل منه ثلاثة نفر مجتمعين، وإذا نظرت في هذا الباب شممت رائحة طيبة، ولا ترى شيئاً، بل هو مكان عميق مظلم – هذه هي مقبرة سيدنا إبراهيم وسارة وإسحاق، وقد بنوا مسجداً على هذه الفتحة وجعلوا لهم مقامات – على الظن – أو اليقين، والقبور تحت المقامات ولا يمكن لمخلوق الوصول إليها، وحدث أن ربطوا رجلاً إيطالياً وأنزلوه في تلك الفتحة، فخرج منها أصم أبكم أعمى!!.
ثم قيل بعد ذلك: إن سيدنا يوسف – عليه السلام – هو صاحب القبر الموجود أعلى الفتحة، لأن سيدنا يوسف دفن بمصر، ثم لما جاء الفيضان غطى الصندوق، وفي زمن موسى – عليه
السلام – أمر بنقله إلى فلسطين فبحث عن قبره، فدلته عليه امرأة عجوز، فدعا لها بالجنة، فقد روى يونس بن عمران عن أبي موسى قال: نزل رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بأعرابي، فأكرمه فقال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أكرمتنا فأحسنت، سل حاجتك، فقال: ناقة نرحلها، أو عنز تحلبها أهلي، فقال – صلى الله عليه وآله وسلم -: «أعجز هذا أن يكون مثل عجوز بني إسرائيل، فقالوا: يا رسول الله: وما عجوز بني إسرائيل؟، فقال:
«إن بني إسرائيل لما خرجوا ضلوا الطريق، وأظلم عليهم الليل، فقالوا: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضرته الوفاة أخذ علينا موثقاً من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال موسى: فمن يعلم موضع قبره؟، قالوا: عجوز لبني إسرائيل، فبعث إليها موسى فأتته فقال: دليني على قبر يوسف فقالت له: وتعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: أن أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها حكمها، فأوحى الله إليه: أعطها حكمها، ففعل. [قصص الأنبياء للثعلبي].
فنقل موسى عليه السلام يوسف عليه السلام في صندوق خشبي إلى فلسطين، حيث دفن مع سيدنا إبراهيم – عليهم جميعاً السلام – ولا يفعل موسى – عليه السلام – ذلك إلا بوحي من الله تعالى.
فاعلموا وتعلموا من احترام الله – تعالى – لعباده الأنبياء – أحياءً وأمواتاً – واقرأوا قوله
–تعالى- : (مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ) [سـبأ: 14]، فإن الجن كانوا يدعون علم الغيب، وكانوا يبنون بيت المقدس، وكانت قد بقيت سنة على إتمام بنائه، فلم تعرف الجن بوفاة سليمان – عليه السلام – لأنه كان مستنداً إلى عصاته سنة كاملة – إلى أن انتهى البناء.
فدلت الآية على حفظ أجساد الأنبياء، ولو كان الواقف غير سليمان لتمزق جسده وتحلل.
والآية الأخرى: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ã لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات: 143، 144]. ولقد جاء الأنبياء لليلة المعراج إلى بيت المقدس بلحاهم وأجسادهم وملابسهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، وثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، منهم خمسة وعشرون ذكروا في القرآن الكريم، نعرفهم، كله حضروا، وصلى بهم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إماماً.
يقول العارف بالله: السيد أحمد البدوي – أحد أقطاب التصوف – في صلواته:
«من اندرجت النبيون تحت لوائه، فهم منه وإليه».
اللواء: الراية – أو البيرق -، ويوم القيامة تكون بيد على بين أبي طالب والحسن عن يمينه، والحسين عن شماله، وكل نبي أو رسول، كلما رفع رأسه وجدها فوقه، ولهذا قال: «أنا سيد ولد آدم قيوم القيامة ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي» رواه الترمذي.
فقول السيد البدوي «فهم منه» أي إنهم في الحقيقة خلقوا من نوره. وما اتخذ الله – تعالى – من ولي جاهل، فالله – تعالى – إذا تجلى على العبد أعطاه الولاية وأعطاه العلم، فهم أهل القرآن والحديث والدين.
يقول عمر بن الفارض:
وفي ساعة أو دون ذلك من تلا بمجموعة جمعي تلا ألف ختمة
أي يتلو القرآن ألف مرة، ومن هذا نعلم أن الأولياء يزيدون في فهم القرآن والأحكام والحديث كثيراً عن غيرهم.
والله – سبحانه وتعالى – يتجلى على الولي في الظاهر والباطن، فعلم الحقيقة كالشجرة، والبطان كالظل، ولا ظل بغير شجرة يستظل بها صاحبها.
(ومن دخله) أي الحرم، وأما البيت فلم نؤمر بالدخول فيه، ودخله النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وصلى فيه.
قال عبد الله بن عمر – رضى الله عنهما -: دخلت البيت وسألت بلالاً: أين صلى رسول الله
– صلى الله عليه وسلم – ؟ فدلني على المكان، ولم أسأله كم صلى من الركعات بل سألته عن المكان فقط.
س: رجل قتل رجلاً ثم ذهب ليحج ودخل الحرم فهل تقبل توبته؟
ج: قال الله – تعالى -: (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ) إلى قوله: (إِلا مَنْ تَابَ) [الفرقان: 68-70]، فلو تاب في بلده يغفر الله له، فكيف إذا دخل الحرم؟.
وقد أجمع العلماء على أن القاتل له توبة بنص الآيات السابقة.
(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) [النساء: 116]. إذا أسلم المشرك يغفر الله له ما أسلف، قال الله – تعالى – : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)(لأنفال:38). فكيف بالمسلم إذا تاب؟! (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) [الزمر: 53] ولو لم يحج المذنب، فكيف إذا حج؟
ورجل ظلم رجلاً، ثم تاب، ولم يأخذ المظلوم حقه في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة ذهب المظلوم إلى المحكمة – محكمة العدل الإلهية – يشكو الظالم، فيُجاء به وقد حج وصام وصلى، ولكن من حق الظلوم أن يأخذ حقه من الظالم في ذلك اليوم فيأخذ بيد الظالم، ويقف أمام الملك – سبحانه – ويقول: يارب: هذا الرجل لي عنده كذا وكذا والظالم يتوجه بقلبه إلى الله: يارب: أنا قد تبت إليك في الدنيا، ولن يخلصني من هذا الموقف إلا أنت سبحانك، وقد حججت وصمت وتبت إليك، وبينما الظالم والمظلوم في هذا الموقف بين يدي الله – سبحانه وتعالى – إذا هما يريان قصراً ما رأت العين مثله بين يدي الله – سبحانه وتعالى – إذا هما يريان قصراً ما رأت العين مثله في حسنه، وينادي مناد: هذا القصر لمن له مظلمة عند أخيه المسلم، ثم عفا عنه.
وعندما ينظر المظلم إلى القصر يعجب به، ويحببه الله – تعالى – فيه، فيقول يارب: إذا عفوت عن أخي نلت هذا القصر؟ فيسمع الإجابة: نعم، فيقول أشهدك يارب أني عفوت عنه.
يقول الشيخ الحفني – شيخ الشيخ الدردير -: هذا من تمام العدل الإلهي.
ربنا – سبحانه وتعالى – يُري المظلوم أنه لم يغفل عنه في الدنيا ولا في الآخرة، ويجعل الظالم يقف أمامه هذا الموقف في الآخرة، )وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً( [الكهف: 49] وأيضاً فإن الظالم الذي يتوب، فإن الله – تعالى – لم يضيعه، بل يكون معه حتى يدخل الجنة بتوبته وعفو المظلوم عنه.
ونحن لا نملك إلا أن ندعو ونقول: يارب: اغفر لنا وارحمنا وقنا شر الخطيئة.
لولاك لولاك ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينــا وثبت الأقدام إن لاقينا
وهذا هو نشيد حفر الخندق، وكان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يرد على الصحابة أيضاً بقوله: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة.
ولقد كان المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – مهاباً، ومحبوباً، تهابه الأسد الضواري وترتعد منه الملوك، قال سيدنا علي بن أبي طالب – في وصفه صلى الله عليه وآله وسلم – : «من رآه بديهة هابه، ومن خالطه مدة يسيرة أحبه، وقلبه يطمئن فلا يفارقه أبداً».
يا نائر الوجه يا من نور جبهته يفوق للشمس والبدر الذي اتسقا
ويقول سيدي حسان بن ثابت:
له همم لا منتهى لكبارهـــا وهمته الصغرى أجل من الدهر
وكان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يقول لحسان وهو ينشد الشعر وهو على المنبر: «قل وروح القدس (جبريل) معك».
وحسان – رضى الله عنه – هو الذي يقول:
وأجمل منك لم تر قط عيني وأكمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءاً من كل عيـب كأنك قد خلقت كما تشاء
وقال غيره:
يا مصطفى من قبل نشأة آدم والكون لم تفتح له أغلاق
أيروم مخلوق ثناءك بعدمـا أثنى على أخلاقك الخلاق
قالت أقمار الدياجــــي قل لأرباب الغــــرام
كل من يعشق محمــــد ينبغــي ألا ينــــام
يا سلام على المحبين !
سيدي عبد الرحمن البرعي كان يمدح النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وكانت بينه وبين المدينة مسافة بعيدة، فجاءته الروائح الطيبة من الروضة الشريفة، فلما شمها، التفت يميناً وشمالاً، فلما لم يجد أحداٌ صال:
أنفحة طيب أم صبا طيبة هبــا فأنعش قلبي للحبيب وقد لبـــى
وهيهات ما كل النسيم حجازيـاً ولا كل نور يملأ الشرق والغربـا
تذكرني الأِشواق من لست ناسياً فتجري دموعي في محاجرها صبا
وسيدي عبد الرحيم البرعي من المحبين المخلصين.
ومدح رسول الله فال سعادتي أفوز به يوم السماء تمور
أي عنوان سعادتي، وإن شاء الله أفوز به يوم السماء تمور.
وقت الحلق أو التقصير:
1- في الحج: بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، وإذا كان سيذبح هديتي، فإن التقصير أو الحلق بعد الذبح أفضل.
2- في العمرة: بعد أن يفرغ من السعي بين الصفا والمروة.
ويجب أن يكون الحق – أو التقصير – في أيام النحر – وفي الحرم ويكون الحلق بالموس، والتقصير يكون بالمقص، والمرأة لا يجوز لها الحق وعليها التقصير.
مكان ذبح الهدي:
قال الله – تعالى – : (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) [البقرة: 196].
عند المالكية: الذبح يكون بمنى أو بمكة، ولكنهم شرطوا لصحته أن يجمع فيه الحل والحرم، فإن اشتراه من الحل لابد أن يخرج به إلى الحرم والعكس.
ومذهب الإمام أبي حنيفة: يتعين أن يذبح في الحرم مطلقاً، ولو كان الهدي منذوراً، ويسن أن يكون الذبح بمنى.
وعند الإمام الشافعي: محل ذبح الهدي الحرم، ولكن الأفضل للحاج أن يذبح بمنى ولو كان متمتعاً.
والأفضل أن يذبح بمنى يوم العيد، ولكن إذا ذبح بمكة جاز على رأي الأئمة الثلاثة.
وعندما كانت أدخل مكة معتمراً، وبعد التحلل من العمرة كنت أذهب إلى جماعة من فقراء المغاربة مقيمين بمكة، فكنت أعطيهم الهدي (وكان كبشاً) وأعطيهم جنيهاً، ثم انتظر حتى يذبحوا ويأكلوا ويشربوا الشاي، وأقول: يارب هذا لك أنت.
ولقد ثبت أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – «نحر ثلاثاً وستين بدنة بيده الشريفة، ثم أعطى سيدنا علياً – رضى الله عنه – فنحر ما غبر (أي ما بقي منها) وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة [أي قطعة منها]، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا منها، وشربا من مقرها» رواه مسلم.
قال الإمام النووي: والظاهر أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – نحر البدن التي جاءت معه من المدينة، وكانت ثلاثاً وستين – كما في رواية الترمذي، وأعطى علياً البدن التي جاءت معه من اليمن فنحرها، وهي تمام المائة التي ساقها رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في تلك السنة.
فانظروا: كيف ذبح – صلى الله عليه وآله وسلم – مائة بدنة، ولم يتركها سدى، كما يفعل الناس اليوم، ولكن أكل من لحمها، وشرب من مرقها – جميعاً – للترغيب في الأكل من هدي التطوع وأضحيته.
ثم أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – علياً أن يقوم على بدنه، وأن يتصدق بلحمها وجلودها وجلالها على المساكين، وأن لا يعطي الجزار منها شيئاً، وقال له: «نحن نعطيه من عندنا» رواه مسلم.
مسألة في التحليل من الإحرام:
التحليل الأصغر:
يكون بعد رمي جمرة العقبة والذبح وحلق شعر الرأس، أو تقصيره، وعند ذلك يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام، إلا النساء، وبعد أن يطوف طواف الإفاضة يتحلل من إحرامه التحلل الأكبر.
والمرأة في ذلك كالرجل، سواء كانت بكراً أم ثيباً، أم متزوجة.
المبيت بمنى أيام التشريق:
قال الله – تعالى – : (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)[البقرة: 203].
هي أيام التشريق الثلاثة التي يقضيها الحاج في منى ليلاً ونهاراً، فالمبيت بها واجب، والمكوث بها نهاراً مستحب، فمن ذهب إلى مكة، فلابد أن يرجع إلى منى ليبيت بها، فإن بات بعيداً عنها فعليه دم، لأنه ترك واجباً من واجبات الحج.
قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -:
«تمنت الملائكة النزول من السماء إلى الأرض ليذكروا الله في أيام معدودات» وإنما يظل الحاج في منى ثلاثة أيام ليرمي الجمرات الثلاث: الصغرى، والوسطى، والعقبة: ثاني يوم العيد، وثالث يوم العيد، كل جمرة بسبع حصيات، وهذا للقادر على الرمي، وأما من عجز عن الرمي، لكبر السن، أو مرض، أو ضعف، فعليه أن يوكل غيره ليرمي عنه، وعليه دم عند المالكية، وعند الشافعية: يوكل ولا شيء عليه – بشرط أن يرمي عن نفسه أولاً حتى يتم رمي الجمار الثلاث ثم يعود للرمي مرة ثانية، لما أخرجه ابن ماجة عن جابر – رضى الله عنه – قال: حججنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم.
فرض الحج:
قال الله – تعالى -: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران: 97]. أي أن الله تعالى فرج الحج على الناس. إنسهم، رجالهم ونسائهم، ولكن بشرط البلوغ، والعقل، والإسلام، فلا يجب الحج على صبي، أو مجنون، ولكن إذا حج الصبي فإنه يجوز له ذلك، ويحرم عنه وليه.
عن جابر – رضى الله عنه – قال:
«رفعت امرأة صبياً لها إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فقالت: يا رسول الله: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر» رواه الترمذي.
ولكن عليه أن يحج مرة أخرى إذا بلغ الحلم، لقوله – عليه الصلاة والسلام-: «إيما صبي حج ثم بلغ الحنث عليه حجة أخرى» رواه الطبراني.
أعمال الصبيان – لمن يكون الثواب؟
اختلف العلماء في أعمال الصبيان من صلاة وصوم وحج وصدقة وغير ذلك: فبعضهم قال: إن الثواب لأمه، وبعضهم قال: إن الثواب لأبيه، والثالث: أن الثواب يقسم بينهما، والرابع: أنه يدخر له إلى ما بعد البلوغ ثم يكتب له.
الاستطاعة في الحج:
أجمع العلماء على أن الاستطاعة شرط لوجوب الحج وسنة العمرة، كما أجمعوا على أنه يجب أن يكون عنده ما يكفي أولاده وأهله من نفقة وكسوة ومسكن إلى حين عودته حتى لا يضيعوا أو يلحقهم أذى شديد.
والاستطاعة – عند المالكية – هي: إمكان الوصول لمكة إمكاناً عادياً بمشي أو ركوب براً أو بحراً بلا مشقة فادحة، وأمن على نفس ومال له بال.
فإذا أمن على نفسه وكان له صنعة يرتزق بها، وتليق بمثله: كنجارة وخياطة وحلاقة وخدمة بأجرة، وكان قادراً على المشي: وجب عليه الحج.
وكذلك يجب الحج على من يمكنه الوصول إلى مكة بسؤال الناس، إذا كانت عادته السؤال، وظن الإعطاء.
والحج – عند المالكية – قيل واجب على التراخي، وقيل: واجب على الفور إذا توافرت الشروط. خاصة إذا خاف المكلف فوات الفرصة بوقوع عجز ونحوه.
والرأي الراجح أنه واجب على الفور لاسيما إذا بلغ المؤمن الستين أو قاربها، لأن رسول الله
– صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» رواه الترمذي وغيره.
قال الإمام حسن بن يحيى – وهو من علماء السلف الصالح – يستحب لمن توفرت فيه شروط الحج وكان غنياً أن يكرر الحج كل خمسة أعوام مرة. لما روي في الحديث القدسي أن الله
– تعالى – قال: «إن عبداً صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلىّ لمحروم» رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي.
س: ما حكم من سرق مالاً وحجَّ منه؟
ج: يسقط عنه فرض الحج ولكن لا ثواب له، بل عليه إثم السرقة وهو في هذا كمثل الشجرة التي لا تثمر.
ومثله من سرق ماء وتوضأ به وصلى. فقد سقط عنه الفرض وعليه ذنب السرقة.